كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور - منتدي بيت العز
أنت غير مسجل في منتدي بيت العز . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ

آخر 10 مواضيع فوائد جوزة الطيب للبشرة (الكاتـب : سلسبيلا - )    <->    الاعلان عن نتيجة مسابقه افضل رواية لشهر اغسطس (الكاتـب : Rania Ragab - )    <->    كما انا سعاده اووى (الكاتـب : انا توته عسوله - )    <->    فساتين خطوبة رووعه (الكاتـب : سلسبيلا - )    <->    خواتم رقيقة للخطوبة والزفاف (الكاتـب : سلسبيلا - )    <->    موديلات فساتين كلاسيك انيقه (الكاتـب : سلسبيلا - )    <->    كولكشن ازياء صيفيه (الكاتـب : سلسبيلا - )    <->    كولكشن بيجامات ستان ..نعومة وراحة (الكاتـب : سلسبيلا - )    <->    افكار من القماش لادوات المطبخ (الكاتـب : مينور هادي - )    <->    ماذا يحدث لقطع الصابون المستعملة فى الفنادق (الكاتـب : مينور هادي - )    <->   
الأذكار      <->           <->     
العودة   منتدي بيت العز > >
إضافة رد
♥ كاتبة الموضوع ♥ رضاك ربي مشاركات 9 المشاهدات 980  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديقة | المفضلة انشرى الموضوع
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
  #1  
قديم 09-05-2018, 02:06 PM
الصورة الرمزية رضاك ربي
ღغندوره البيتღ

وسام الالفيه 2  وسام الالفيه الاولى 
مجموع الاوسمة: 2 (أكثر» ...)

✿ رقم العضوية : 199
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
✿ عدد المواضيع : 810
✿ عدد الردود : 2146
✿ مجموع المشاركات : 2,956
رضاك ربي غير متواجد حالياً

رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به

الاسلامى كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

المقدمة:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. صَلِّ اللهم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسآءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71 - 72].


أما بعد:
اعلم رحمك الله أن العبد في دنياه تعترضه الابتلاءاتُ؛ اختبارًا من الله وامتحانًا، فتواجهه فتنٌ من شهوات وشبهات، أو تلم به الآلام من أمراض وأحزان، ليمحص أهل التقوى والإيمان، فيغتنم ذلك الشيطانُ، ويتسلط على العبد إن وافق ووجد ضعف أثر الدين في نفسه، فيوسوس له بتتبع الرخص، ويصورها له وكأنها بر الأمان، ويزين له الفتاوى الشاذة التي ليس عليها من الله برهان، لكن من كان قلبه مشربًا الإيمان، منقادًا لرب الأنام بجميل العرفان، مذعنًا لحكم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وَقّافًا عند حدودهما، عارفًا بالحلال والحرام، منقادًا للإسلام غير مضطرب الجنان، فإنه يظل جبلا شامخًا ولا تهتز له أركان، وتجده صابرًا على ابتلاء الله معالجًا نفسه بجميل التوكل وعظيم الرجاء، ومحتسبًا ما ألم به عند الله الكريم المنان، لا يرجو من الخلق نفعًا، ولا يخشى منهم ضرًّا، فتعلقه بالله ورجاؤه له هو سلوة القلب له وبهجة الخاطر والأمل الذي لا ينقطع ما دام الزمان، أَيْسًا بما عند الناس؛ لا يسأل فلانًا ولا فلانًا، ولسان حاله يقول:
يا من ألوذُ به فيما أؤملُه
ومن أعوذُ به مما أحاذرُه
لا يجبرُ الناسُ عظمًا أنت كاسرُه
ولا يَهِيضون عظمًا أنت جابرُه

وبعد:
قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]، فتبين أن السلامة من الكبائر من مهمات الدين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، قال أبو بكر السيوطي على الحديث: ومن ثم سومح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات وخصوصًا الكبائر.

ويقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر...)، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

والسحر من كبائر الذنوب، وقد قرنه الله عز وجل بالشرك؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 50-51]، ومعنى الجبت أي السحر، وإن مسألة التداوي بالسحر أو ما يسـمـى بالنشرة الممنوعة مسألة قابلها صفوةُ علماء السلف والخلف بالإنكار بناء على الدليل. في حين تتردد الآن في الأوساط الاجتماعية فتوى شاذة، يفرح بها متصيدو الفتاوى ومتتبعو الرخص، رجح فيها صاحبها جواز التداوي بالسحر للمسحور، وذلك بناء على توهمات واستنباطات عقلية معارضة للدين، واعتمادًا على عبارات من أقوال السلف بعضها ثابت وبعضها يحتمل أكثر من معنى.

وحجج المجيزين قديمًا وحديثًا قد استوقفتني، وحرت في الجواب عنها في بادئ الأمر، لكن اتضح بالبرهان بعد البحث أن الاحتجاج بها باطل، وردها متيسر لأدنى من يطلب العلم، بل إنه لا يستساغ طرحها من بعضهم لمكانته العلمية، فلا يخفى على ذوي العلم والعقل الرشيد بطلانُ استدلالاتهم وعدم نهوضها لإثبات الإذن، مع وفرة الأدلة التي تدحض هذه الفكرة نقلا وعقلا وتقتلعها من جذورها؛ لأن الضابط -والحمد لله- واضح، وخطوط الحرام وعلاماته بارزة لكل متبصر في أحكام الدين... إن السحر حرام بالإجماع، بل هو من الكبائر والمهلكات التي تردي صاحبها في النار إن لم يتب.

فالنشرة السحرية باطلة لعلة ملازمة لها، وهي السحر الذي هو وسيلة كفرية ممنوعة في الشرع؛ قال الحنابلة: إن عاد النهي لوصف ملازم فإنه باطل. والحكم العام في السحر وإتيان السحرة الذي ثبت بالنصوص العامة الشرعية باقٍ على عمومه لانتفاء القرينة الصحيحة الثابتة التي تنقله عن العموم...

فهذا بحث دونت فيه جُملة مآخذي على مجيزي النشرة السحرية، بعد حصر حججهم واستدلالاتهم والبحث في صحتها، وإن كنت لستُ أهلا لذلك، ولا ممن ينتصب لهذه المهام... ولله الحمد ربي الذي شرح صدري لذلك، لا سيما وأني قد شغلت بهذه الفتوى التي أراها تمس العقيدة وأدت لتساهل الناس في الذهاب للسحرة واللجوء إليهم.. فإن أصبت الحق فمن الله وحده له الحمد والفضل أولا وآخرًا، والخطأ أعزوه لنفسي والشيطان.

وقد جعلت البحث في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: واقع السحر.
الباب الثاني: علاج المسحور.
الباب الثالث: رد حجج واستدلالات مجيزي فك السحر بسحر مثله.

أسأل الله جل وعلا أن يعصمني وإياهم من مضلات الفتن، وأن يجعلنا وإياهم مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر، ممن يستنون ويهتدون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن دعاة الهدى لا من دعاة الضلالة، إنه قريب مجيب الدعاء.

الباب الأول
( واقع السحر )
تاريخ ظهور السحر:
إن السحر بعيد الغور في الحياة البشرية، ولا يخلو أي عصر من العصور إلا وتجد بصمات السحر تكمن فيه ظاهرة جلية، قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ [الذاريات: 52]، وهذا يدل على أن كل الأمم السابقة قد عايشت السحر وعرفته.

ومن أقدم الأمم التي فشا فيها السحرُ وذاع (أهل بابل)، وهي مدينة عراقية أهلها الكلدانيون من النبط والسريانيون، وهم قوم صابئون يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا لها أوثانًا على أسمائها، ولكل واحد منهم هيكل فيه صنمه يتقرب إليه بما يوافقه بزعمهم من أدعية وبخور، وكانت علومهم في النجوم، ويستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب؛ لئلا يبحث عنها وينكشف تمويههم[1]، وأول ظهوره لديهم كان بطريق الملكين اللذين بعثهما الله -عز وجل- لتعليم السحر لمن أراده، اختبارًا من الله لهم، وهما هاروت وماروت، ومع ذلك فهما يحذران من أراد تعلم السحر قبل الوقوع فيه، فيقولان له: لا تكفر، أي لا تأخذ السحر؛ لأنه كفر، كما حكاه الله في كتابه: ﴿ يُعَلمُونَ النَّاسَ السحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102]، وظل السحر سمة فارقة ومميزة لأهل بابل في العراق على مر العصور، قال كعب الأحبار لعمر بن الخطاب لما أراد أن يخرج للعراق: لاَ تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإِن بِها تِسْعَةَ أَعْشَارٍ السِّحْرِ، وَبِهَا فَسَقَةُ الجِنِّ، وَبِهَا الداءُ العُضَالُ. رواه الإمام مالك.

ثم بعد قصة هاروت وماروت جاء عصر أول الرسل نوح عليه السلام؛ قال ابن حجر: "وقصة هاروت وماروت كانت من قبل زمن نوح عليه السلام على ما ذكر ابن إسحاق وغيره"، ويدل عموم قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ [الذاريات: 52] أن كل الأقوام زعموا أن نبيهم الذي جاءهم ساحر، ولا شك أن قوم نوح قالوا هذه المقالة وواجهوا بها نبي الله نوحًا عليه السلام، وهذا يدل على وجود السحر في عصرهم.

وأهل فارس كان بداية أمرهم على التوحيد، إلى أن استولوا على أرض بابل ففشا عندهم السحر، فاستعانوا بالطلاسم لاستحضار الكواكب لقضاء حاجاتهم واستطلاع الغيبيات.

وقوم فرعون وهم القبطيون كانوا يخلطون الأدوية الطبية بالعزائم الشركية للشفاء من الأمراض، ويتلون العزائم الشركية عند تحضير الموتى للانتقال للعالم الآخر، فإجراءات التحنيط والدفن كانت مرتبطة بالسحر ارتباطًا وثيقًا. وبلغ السحر مبلغًا عظيما في أَيَّامِ (دَلُوكَا) مَلِكَة مِصْرَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ، فوَضَعُوا السِّحْرَ فِي الْبَرَابِي (وهي بيوت حكمة القبط يجلس فيها الكاهن على كرسي من ذهب) وَصَوَّرُوا فِيهِ عَسَاكِرَ الدُّنْيَا، فَأَيُّ عَسْكَرٍ قَصَدَهُمْ، وَأَيُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ تَخَيَّلَ ذَلِكَ الْجَيْشَ الْمُصَوَّرَ أَوْ رِجَالَهُ -مِنْ قَلْعِ الْأَعْيُنِ أَوْ ضَرْبِ الرِّقَابِ- وَقَعَ بِذَلِكَ الْعَسْكَرِ فِي مَوْضِعِهِ، فَتُحَاشِيهِمْ الْعَسَاكِرُ، فَأَقَامُوا سِتَّمِائَةِ سَنَةً وَالنِّسَاءُ هُنَّ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ بِمِصْرَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَجُيُوشِهِ، كَذَلِكَ حَكَاهُ الْمُؤَرِّخُونَ [2].

وأما أهل الهند فحسبنا أن نعلم أن أحد أسفار الفيدا الأربعة وهو سفر أترافا مخصص لمعرفة الرقى والسحر. والفيدا هو الكتاب المقدس لدى الهندوس [3].

وفي بلاد الإغريق نحا اليونانيون هذا المنحى من الاعتقاد بتأثير الرقى الشركية والعزائم والطلاسم في حياة البشر، فألفوا فيه الكتب ودرسوا علم النجوم.

واليهود بلغ فيهم الأمر إلى ترك الشرعة المنزلة واتباع السحر؛ قال الله فيهم في سورة البقرة: ﴿ وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ [البقرة: 102]، ونسبت اليهود السحر إلى نبي الله سليمان عليه السلام، وتنكر أن يكون سليمان نبيا مرسلا، بل يزعمون أنه ساحر انقادت له الجن والإنس والطير والريح بأخذه للسحر، فنزلت تبرئته من هذه الفرية في القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ [البقرة: 102].

واختلف في المراد بالآية؛ فقيل: إن سليمان كان جمع كتب السحر والكهانة فدفنها تحت كرسيه، فلم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي، فلما مات سليمان وذهبت العلماء الذين يعرفون الأمر، جاءهم شيطان في صورة إنسان فقال لليهود: هل أدلكم على كنز لا نظير له؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا -وهو متنح عنهم- فوجدوا تلك الكتب، فقال لهم: إن سليمان كان يضبط الإنس والجن بهذا، ففشا فيهم أن سليمان كان ساحرًا، فلما نزل القرآن بذكر سليمان في الأنبياء أنكرت اليهود ذلك وقالوا: إنما كان ساحرًا ا.هـ [4].

تعريف السحر:
السحرُ لغةً: الأُخْذَةُ، وكلُّ ما لَطُفَ مَأْخَذُه وَدَقَّ فهو سِحْرٌ، والـجمع أَسحار وسُحُورٌ، وأَصل السِّحْر: صَرْفُ الشيء عن حقـيقته إِلـى غيره، فكأَنَّ الساحر لـما أَرَى الباطلَ فـي صورة الـحق وخَيَّلَ الشيءَ علـى غير حقـيقته قد سحر الشيء عن وجهه أَي صرفه، وقال الفراء فـي قوله تعالـى: ﴿ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون: 89] معناه فَأَنَّى تُصْرَفون؛ وقال يونس: تقول العرب للرجل: ما سَحَرَك عن وجه كذا وكذا؟ أَي ما صرفك عنه؟ [5].

واصطلاحًا: اختلفت تعريفات السحر اصطلاحًا بناء على اختلاف العلماء فيه من حيث: هل هو حقيقة لها تأثير؟ أو أنه مجرد خيالات لا حقيقة لها؟ فتباينت التعريفات وافترقت بناء على هذا الخلاف، والصواب أن السحر يشمل الأمرين معًا؛ فمنه ما هو حقيقة وله تأثير حسي على الأبدان والمحسوسات، ومنه ما هو تخييل.

عرفه الرازي بما هو تخييل فقال: "اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر خفي سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخدع؛ قال تعالى: (سحروا أعين الناس)"[6].

وعرفه ابن قدامة بما هو حقيقة فقال: هو عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة؛ فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحبب بين اثنين.
فقصر السحر على ذكر نوع منه [7].

وعرفه أحد العلماء المعاصرين تعريفًا جمع فيه القسمين فقال: "هو عبارة عن أمور دقيقة موغلة في الخفاء، يمكن اكتسابها بالتعلم، تشبه الخارق للعادة وليس فيها تحد، أو تجري مجرى التمويه والخداع تصدر من نفس شريرة تؤثر في عالم العناصر بغير مباشرة أو بمباشرة" [8].

هل للسحر أنواع تتباين في ماهيتها، وتبعًا لهذا التباين هل يفترق الحكم؟
اعلم أن أنواع السحر التي عددها أهل العمل لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة:
1- السحر الحقيقي.
2- السحر التخيلي.
(وهذان لا يتمان إلا بالكفر والعبودية للشيطان).
3- السحر المجازي.

القسم الأول: السحر الحقيقي
وهو كل سحر كان له أثر حقيقي وملموس في الخارج، وأنواعه كما يلي:-
النوع الأول: ما يكون بغير معين خارجي:
بل بهمة النفس وقوتها وقدراتها الروحية، وهو سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية الخبيثة الفاسدة [9]، وبناءً عليه يقوم الساحر بأقوال وأفعال مخصوصة تقوي النفس حتى تؤثر في الآخرين بقدرة الله تعالى. ولا بد لهم لتحقيق ذلك من رياضيات بليغة واجتهادات ومجاهدات عسيرة؛ كتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس وغيرها.

وَمِنْ خَوَاصِّ النُّفُوسِ مَا يَقْتُلُ؛ فَفِي الْهِنْدِ جَمَاعَةٌ إذَا وَجَّهُوا أَنْفُسَهُمْ لِقَتْلِ شَخْصٍ مَاتَ، وَيُشَقُّ صَدْرُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ قَلْبُهُ، بَلْ انْتَزَعُوهُ مِنْ صَدْرِهِ بِالْهِمَّةِ وَالْعَزْمِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ، وَيُجَرَّبُونَ بِالرُّمَّانِ فَيَجْمَعُونَ عَلَيْهِ هِمَمَهُمْ فَلَا تُوجَدُ فِيهِ حَبَّةٌ، وَخَوَاصُّ النُّفُوسِ كَثِيرَةٌ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَإِلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْذِي بِالْعَيْنِ، وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ بِهَا تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَصِيدُ بِالْعَيْنِ الطَّيْرَ فِي الْهَوَى وَيَقْلَعُ الشَّجَرَ الْعَظِيمَ [10].

وقد أخرج البزار بسند حسن عن جابر رفعه (أكثرُ من يموت بعد قضاءِ اللهِ وقدرهِ بالنفس)، قال الراوي: يعني بالعين.

ومعلوم أن النفوس الخبيثة لها آثار بإذن الله تعالى، ومن أصرح الأدلة الشرعية في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)، وهذا الحديث الصحيح يدل على أن همة العائن وقوة نفسه في الشر جعلها الله سببًا للتأثير في المصاب بالعين [11].

النوع الثاني: هو السحر الذي يستعان عليه بمعين خارجي:
أولا: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الشياطين من الجن، واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية؛ لما بينها من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد[12]
فيقوم الساحر بتسخير الجن، ويعزم عليهم بالعزائم؛ ليطيعوه، ويتقرب لهم بما يحبونه من الكفر والشرك، فيقضوا له أغراضه، فقد يكتب الساحر كلام الله بالنجاسات أو يكتبه مقلوبًا وغير ذلك.

ثانيًا: الاستعانة بروحانيات الكواكب والأفلاك والأجرام السماوية كما يزعمون، ويدخل من ضمنه أنواع عدة:
• سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر [13]، وهو سحر أهل بابل الذين بعث الله لهم إبراهيم عليه السلام رادًّا على ادعاءاتهم، وداحضًا لشبهاتهم، وهم يزعمون أن الكواكب السبعة هي المدبرة للكون والمتصرفة فيه، ومنها تصدر الخيرات والشر والسعادة والنحوس، فيلبسون لها لباسًا خاصًّا، وينحرون لها الأنعام، وصوروا لها تماثيل وسموها بأسماء الكواكب؛ فالساحر في هذا النوع يعبد الكواكب ويعتقد تصرفها في العالم.

• ومنه الطلاسم: وَحَقِيقَتُهَا نَفْسُ أَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بالأفلاكِ وَالْكَوَاكِبِ عَلَى زَعْمِ أَهْلِ هَذَا الْعِلْمِ، فِي أَجْسَامٍ مِنَ الْمَعَادِنِ أَوْ غَيْرِهَا، تَحْدُثُ لَهَا آثَارٌ خَاصَّةٌ رُبِطَتْ بِهَا فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ، فَلَا بُدَّ فِي الطلسمِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَسْمَاءِ الْمَخْصُوصَةِ وَتَعَلُّقِهَا بِبَعْضِ أَجْزَاءِ الْفَلَكِ وَجَعْلِهَا فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ نَفْسٍ خاصة لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ، فَلَيْسَ كُلُّ النُّفُوسِ مَجْبُولَةً عَلَى ذَلِكَ [14].

• ومنه: النظر في حركات الأفلاك والنجوم ودورانها وطلوعها وغروبها واقترانها وافتراقها، مع اعتقاد أن لكل نجم تأثيرًا من ضرر أو نفع عند انفرادها أو افتراقها؛ من غلاء الأسعار أو وقوع الحوادث، ومنه الاستقاء بالأنواء [15].
قال الرسول صلى لله عليه وسلم: (من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد) رواه أبو داود.
وعن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أنَّهُ قالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ بالْحُدَيْبِيَةِ فِي إثْرِ سَمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: قالَ: أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ، فذلكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالْكَوْاكَبِ، وَأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فذلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكَبِ»، رواه أبو داود.

• ومنه النظر في منازل القمر الثمانية والعشرين، مع اعتقاد التأثيرات في اقتران القمر بكل منها أو مفارقته؛ من سعادة أو نحوس، وهذا ادعاء لعلم الغيب [16].

• ومنه ما يفعله من يستخدم حروف (أبجد هوز)، ويجعل لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا، ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها، ويجمع جمعًا معروفًا عنده ويطرح طرحًا خاصًا، ويثبت إثباتًا خاصًا، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان، وكثير منهم يغير الاسم من أجل ذلك، أو يفرق بين المرء وزوجته بذلك، بدعوى أنهم إن جمعهم بيت لا يعيش أحدهم، وقد يتحكم بذلك في الغيب؛ فيدعي أن هذا يولد له وهذا لا، وهذا ذكر وهذا أنثى، وهذا يكون غنيًا وهذا يكون فقيرا، أو غنيا أو وضيعا ونحو ذلك. كأنه هو الكاتب ذلك للجنين في بطن أمه، لا والله لا يدريه الملك الذي يكتب حتى يسأل ربه، فكيف بهذا الكاذب المفتري؟ ويدعي أن ذلك بصناعة اخترعها، وهذا من أعظم الشرك في الربوبية، ومن صدق به فقد كفر والعياذ بالله [17].

القسم الثاني:السحر التخييلي
وهو أن يقوم الساحر بالسيطرة على القوى المتخيلة للشخص المسحور، فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها من الخيالات والصور، ثم ينزلها إلى الحِسّ من الرائي، فينظر لها الرائي ببصره وكأنها حقيقة في الخارج، وليس في الأصل شيء من ذلك، وينقل لنا ابن بطوطة عن أوحد الدين السنجاري (أحد أهل العلم الذين كانوا ببلاد الصين) أنه دخل على رجل عابد في غار، فأخذ ذلك العابد بيده، فخيل لأوحد الدين أنه في قصر عظيم، وأن ذلك العابد المبتدع قاعد فيه على سرير، وفوق رأسه تاج، وحوله الوصائف الحسان، والفواكه تتساقط في أنهار هناك، وتخيل أوحد الدين أنه أخذ تفاحة ليأكلها، فإذا هو في الغار بين يدي ذلك العابد الضال وهو يضحك منه [18].

ومثاله أن يقوم الساحر بتفريق أعضاء شخص آخر ثم يعيدها، فالرائي يعتقد أن ذلك حصل في الخارج، والحقيقة أن الرائي واقع تحت تأثير السحر التخييلي، وما رآه مجرد خيالات أحدثها له الساحر في قواه المتخيلة. فوالله لم يحدث لا تقطيع ولا تجميع، إنما هو سحر تخييلي.

• ومنه السيمياء: بكسر السين، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُرَكَّبُ مِنْ خَوَاصَّ أَرْضِيَّةٍ؛ كَدُهْنٍ خَاصٍّ، أَوْ مَائِعَاتٍ خَاصَّةٍ، أَوْ كَلِمَاتٍ خَاصَّةٍ تُوجِبُ تَخَيُّلَاتٍ خَاصَّةً، وَإِدْرَاكَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ أَوْ بَعْضها لِحَقَائِقَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْمُومَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ لِذَلِكَ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ؛ يَخْلُقُ اللَّهُ تِلْكَ الْأَعْيَانَ عِنْدَ تِلْكَ الْمُحَاوَلَاتِ، وَقَدْ لَا تَكُونُ لَهُ حَقِيقَةٌ بَلْ تَخَيُّلُ صَرْفٍ، وَقَدْ يَسْتَوْلِي ذَلِكَ عَلَى الْأَوْهَامِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ الْوَهْمُ مُضِيَّ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ، وَيَسْلُبُ الْفِكْرَ الصَّحِيحَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَتَصِيرُ أَحْوَالُ الْإِنْسَانِ مَعَ تِلْكَ الْمُحَاوَلَاتِ كَحَالَاتِ النَّائِمِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَنْ عُمِلَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُعْمَلْ لَهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ [19].

• الهيمياء: بكسر الهاء، قيل: هو ما تركب من خواص سماوية تضاف لأحوال الأفلاك يحصل لمن عمل له شيء من ذلك أمور معلومة عند السحرة، وقد يبقى له إدراك، وقد يسلبه بالكلية فتصير أحواله كحالات النائم من غير فرق حتى يتخيل مرور السنين الكثيرة في الزمن اليسير، وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار، وغير ذلك في ساعة ونحوها من الزمن اليسير، ومن لم يعمل له ذلك لا يجد شيئا مما ذكر وكل ما يتصوره المسحور في هذه الحالة من الأوهام التي لا حقيقة لها [20].

فتفريقه بين المرء وزوجه: تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخصَ الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته من حُسْن وجمال، حتى يقبحه عنده، فينصرف بوجهه ويعرض عنه، حتى يحدث الزوج لامرأته فراقًا، فيكون الساحر مفرقًا بينهما بإحداثه السبب الذين كان منه فرقة ما بينهما [21].
وقد يكون التفريق بما يلقيه الشيطان في قلب أحدهما تجاه الآخر.

القسم الثالث: السحر المجازي
قال ابن كثير في تفسيره: "وأدخل [أي الرازي] كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه".

وأنواعه كما يلي:
الأول: الأخذ بالعيون وخفة اليد
وهذا مبناه على أن أغلاط البصر كثيرة؛ فقد يرى الشيء على غير حقيقته لبعض الأسباب العارضة؛ فالبصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إِذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إِلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إِلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله، وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد، كان العمل أحسن؛ مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها [22].

الثاني: الاستعانة بخواص الأدوية والأطعمة والملابس
ومن ذلك دخول بعض هؤلاء النار؛ حيث يدهنون جلودهم بمواد لها خاصية مقاومة النار، أو يلبس ثيابًا لا تحرقها النار، أو أن يجعل في طعام أحدهم بعض الأدوية أو الأطعمة المبلدة المزيلة للعقل، أو الدخن المسكرة التي تغير المزاج، فإذا تناولها تبلد عقله وذهبت فطنته، وقد يستعين بهذه الأدوية ونحوها في إمساك الحيات أو الأسود الضارية [23].

ومنه تغيير المشعوذ وجه إنسان من البياض إلى السواد، وهذه حيلة يقوم بها المشعوذ بدهن الوجه بمادة (أكسيد البزموت) ثم يضع أمام المشاهدين إناء مليئًا بالماء الممزوج بمادة الهيدروجين، ثم يدعي أنه يشم ذلك الماء فيتحول وجهه من البياض للسواد، وذلك نتيجة التفاعل الكيميائي بين المادتين. ومنه أن يأمر الساعة بالتوقف عن الدوران فتقف، فيشير إلى الساعة دون أن يلمسها ويخفي بيده مغناطيسًا، فتقف الساعة عن الحركة بتأثير المغناطيس [24].

الثالث: السعي بالنميمة وإغراء بعض الناس ببعض
وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم النميمة بالعضه؛ ففي صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود قال: (ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس)، قال أبو الخطاب في عيون المسائل: "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس" [25].

والنميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، "فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين؛ كما جاء في الحديث (ليس بالكذاب من ينمي خيرًا)، أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب؛ كما جاء في الحديث (الحرب خدعة)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة؛ جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة، والله المستعان [26].

الرابع: تعليق القلب
وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإِذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا ما حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.

(قلت) هذا النمط يقال له التنبلة، وإِنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه؛ فإذا كان المتَنْبِلُ حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره [27].

الخامس: البيان
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من البيان لسحرًا)، قال صعصعة بن صوحان: "صدق نبي الله؛ فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق".

يعني لتضمنه التخييل، فيخيل الباطل بالحق، وإنما عنى بالبيان المفاخرة والخصومات بالباطل، كما يدل عليه أصل القصة في التميميين اللذين تفاخرا عنده بأحسابهما وطعن أحدهما بحسب الآخر ونسبه. وأما البيان بالحق لنصرة الحق فهو فريضة على كل مسلم ما استطاع لذلك سبيلا[28].

وقد قسم بعض أهل العلم السحر إلى أنواع أخرى؛ منها: سحر الخمول، سحر الهواتف، سحر المرض، سحر المحبة (التولة)، سحر التفريق، سحر النزيف (الاستحاضة)، سحر التخييل، سحر الجنون، سحر تعطيل الزواج.

ومن أنواع السحر العقد والنفث: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر)، ومن السحر: زجر الطير، والخط بالأرض، والطيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العيافة والطيرة والطرق من الجبت)، رواه أبو داود وأحمد. والعيافة: هي زجر الطير والتفاؤل بأصواتها وممرها وبأسمائها، والطرق: هو الخط بالأرض، قال ابن الأثير: "هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء"، والطيرة: أصلها التطير بالطير والظباء، وهي من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، والجبت: هو السحر، قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم [29].

فَهَذِهِ أَنْوَاعُ السِّحْرِ قَدْ تَقَعُ بِلَفْظٍ هُوَ كُفْرٌ، أَوْ اعْتِقَادٍ هُوَ كُفْرٌ، أَوْ فِعْلٍ هُوَ كُفْرٌ، فَالْأَوَّلُ: كَالسَّبِّ الْمُتَعَلِّقِ بِمَنْ سَبُّهُ كُفْرٌ، وَالثَّانِي: كَاعْتِقَادِ انْفِرَادِ الْكَوَاكِبِ أَوْ بَعْضِهَا بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالثَّالِثِ: كَإِهَانَةِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعْظِيمَهُ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ؛ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَتَى وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي السِّحْرِ فَذَلِكَ السِّحْرُ كُفْرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ [30]، ومتى وقعت هذه الأنواع بشيء مباح، لم يكن ذلك السحر كفرًا، بل إما محرم؛ إن كان لا يروج ذلك المباح إلا بنحو الزنا واللواط، وإما مباح؛ إن راج بدون ذلك، نعم ويكون كفرًا من جهة خارجة كقصد إضراره صلى الله عليه وسلم [31].

يقول النووي: "علم السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلا فلا" [32].

حكم الساحر:
الساحر كافر؛ والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وجه الدلالة: أن الآية تدل على نفي الإيمان عن السحرة، قال ابن كثير: وقد استدل بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾ [البقرة: 103] من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف [33]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 102]، أي من استبدل بدينه السحر فماله من نصيب، قال الحسن: ليس له دين، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من تعلم شيئًا من السحر قليلا كان أو كثيرا كان آخر عهده من الله)، وهذا مرسل [34].

وقال تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69] وجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى نفى الفلاح عن الساحر نفيًا عامًا حيث توجه وسلك، وذلك دليل كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر، ذلك أنه قد عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظه "لا يفلح" يراد بها الكافر؛ كقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: 69]، إلى غير ذلك من الآيات [35]، وقد سماه الله كفرًا فقال: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102].

عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ». رواه النسائي.

وعن عمران بن الحصين مرفوعًا: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له..) الشاهد قوله: (ليس منا من سحر) فدل على نفي الإيمان عن الساحر.

قال الشافعي: إن اعتقد ما يوجب الكفر؛ مثل التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس، أو اعتقد حِلَّ السحر، كَفَر؛ لأن القرآن نطق بتحريمه، وثبت بالنقل المتواتر والإجماع عليه، وإلا فسق ولم يكفر.

عقوبة الساحر:
حد الساحر القتل، وروي عن كثير من الصحابة ولم ينكر عليهم أحد ذلك فكان إجماعا سكوتيًّا.

قال ابن المنذر: وإذا أقرّ الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرًا وجب قتله إن لم يَتُب، وكذلك لو ثبتت به عليه بيّنة ووصفت البينة كلامًا يكون كفرًا. وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سَحَرَ به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتُصّ منه إن كان عَمَد ذلك؛ وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دِيَة ذلك [36].

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرتها، وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا، فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ، قَالَ مَالِكٌ: السَّاحِرُ الَّذي يَعْمَلُ السِّحْرَ، وَلَمْ يَعْمَلْ ذلِكَ لَهُ غَيْرُهُ، هُوَ مثل الَّذِي قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كِتَابِه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق ﴾ [البقرة: 102]، فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذلِكَ إذَا عَمِل ذلِكَ هُوَ نَفْسُهُ. [موطأ الإمام مالك - كتاب العقول].

وروي عن جندب بن عبدالله عن النبي أنه قال: «حد الساحر ضربه بالسيف»، رواه الترمذي.

وروى أبو داود في سننه عن بجالة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر، فقتلنا ثلاث سواحر في يوم.

وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقًا فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: ﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 3]، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه [37].

كما روى البخاري في التاريخ الكبير بسند صحيح عن أبي عثمان: (كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فعجبنا، فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله).

فحد الساحر القتل؛ روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة وجندب بن عبدالله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك، ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر، ووجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة سحرتها، ولو وجب قتلها لما حل بيعها، ولأن النبي قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق»، ولم يصدر منه أحد الثلاثة، فوجب أن لا يحل دمه [38].

فيجاب عنه: أن الأمة لم تصنع السحر، إنما ذهبت لساحر يصنع لها السحر، أو أنها قد تكون تابت بعدها، أو أن يكون سحرها من النوع الذي بالأدوية وخفة اليد والخداع، فلم يشمل كفرًا فلا تعتبر مرتدة لتقتل. وزاد أبو حنيفة فقال: وان قتل بسحره لم يقتل، إلا أن يتكرر ذلك منه.

ودليلنا على أنه يقتل وإن لم يتكرر منه الفعل عموم الخبر في قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف)، ولأن كل فعل أوجب القتل تكراره أوجب القتل عند ابتدائه [39].

هل يستتاب الساحر؟
عن مالك: الساحر كافر؛ يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق.

وللحنابلة فيه روايتان؛ إحداهما: لا يستتاب؛ لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة، والثانية: يستتاب؛ فإن تاب قبلت توبته وخلي سبيله؛ لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب، وتقبل توبته، فكذلك الساحر. وعلمه بالسحر لا يمنع توبته؛ بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. [40]، ولأن في توبته منفعة للمسلمين؛ لأنه بعد التوبة هو عالم بالسحر يمكنه حله فكان في ذلك منفعة. [41].

وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة جاءتها، فجعلت تبكي بكاء شديدًا، وقالت: يا أم المؤمنين، إن عجوزًا ذهبت بي إلى هاروت وماروت، ليعلماني السحر فقالا: اتقي الله ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك، فقلت: علماني السحر، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، ففعلت، فرأيت كأن فارسًا مقنعًا في الحديد خرج مني حتى طار، فغاب في السماء، فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقالا: ذلك إيمانك، فذكرت باقي القصة إلى أن قالت: والله يا أم المؤمنين، ما صنعت شيئًا غير هذا، ولا أصنعه أبدًا، فهل لي من توبة؟ قالت عائشة: ورأيتها تبكي بكاء شديدًا، فطافت في أصحاب رسول الله وهم متوافرون تسألهم هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحد إلا أن ابن عباس قال لها: إن كان أحد من أبويك حيًا فبريه، وأكثري عن عمل البر ما استطعت.

ويكفر بتعلم السحر، والعمل به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102]، فدل هذا على أنه يكفر بتعلمه السحر.

وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه؛ فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، وأما الثاني فإن كان لا يتم -كما زعم بعضهم- إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا، وإلا جاز للمعنى المذكور [42].

ما حكم إتيان الساحر؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له).

فهنا بين رسول الله كفر من أتى الساحر وطلب السحر عمومًا لأي غرض كان، "والكفر هنا ظاهره الكفر الحقيقي وهو الكفر الأكبر، وقيل الكفر المجازي وهو الكفر الأصغر، وقيل: من اعتقد أن العراف أو الساحر أو الكاهن يعرفان الغيب ويطلعان على الأسرار الإلهية كان كافرًا كفرًا أكبر؛ كمن اعتقد تأثير الكواكب، وإلا فلا [43]، وقيل: إنه كفر أصغر لا يخرج عن الملة، هذا المشهور عن الإمام أحمد.


;at hglsj,v uk p;l t; hgspv fspv hglsp,v hgls[,v hg.dv jsdv p;l uk

رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 02:07 PM   #2
معلومات العضو
ღغندوره البيتღ
الصورة الرمزية رضاك ربي
وسام الالفيه 2  وسام الالفيه الاولى 
مجموع الاوسمة: 2 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 199
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 810
عدد الردود : 2146
مجموع المشاركات : 2,956
النقاط : 1293
قوة التقييم : 37
رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

الباب الثاني
( علاج السحر )
مشروعية التداوي في الإسلام:
إن التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك.

قال صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء".

وعنْ أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأصحَابُهُ كأنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمْ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاء الأعْرَابُ مِنْ هَاهُنَا وهاهنا، فقَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا؛ فَإنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَم»، رواه أبو داود والترمذي وأحمد.

وحتى الداء القاتل الذي اعترف حذاق الأطباء بأن لا دواء له، وأقروا بالعجز عن مداواته، فإن له دواء لكنه مجهول، بناء على ما جاء في حديث ابن مسعود من قوله: (وجهله من جهله).

وقد أخرج ابن ماجه من طريق أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله تعالى.

وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
1- أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
2- وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
3- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.

ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".

وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا [44].

العلاج المشروع للسحر:
قبل البداية في العلاج يجب على المسلم أن يحصن نفسه وأهله من شر شياطين الإنس والجن، وذلك بقراءة أذكار المساء والصباح وأذكار النوم، والمحافظة عليها، وأيضًا المحافظة على قراءة (قل هو الله أحد) والمعوذتين وآية الكرسي بعد كل صلاة، والإكثار من قول (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) وقول (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بها الحسن والحسين.

وقد جمع العلماء من الأذكار والدعوات التي يقولها العبد إذا أصبح وإذا أمسى وإذا نام وإذا خاف شيئًا وأمثال ذلك من الأسباب ما فيه بلاغ، فمن سلك مثل هذا السبيل فقد سلك سبيل أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن دخل في سبيل أهل الجبت والطاغوت الداخلة في الشرك فقد خسر الدنيا والآخرة، وبذلك ذم الله من ذمه من مبدلة أهل الكتاب إذ قال: ï´؟ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ï´¾ [البقرة:101، 102] إلى قوله: ï´؟ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 102] [45].

وأما ما ورد في الكتاب والسنة وكلام السلف عن علاج السحر بعد وقوعه والإصابة به فهو كما يلي:
أولا- اللجوء للرقية الشرعية:
أ- بالقرآن الكريم:
فالقرآن كله شفاء؛ قال تعالى: ï´؟ قُلّ هُوَ لِلَّذينَ آمَنُوا هَدًى وَشِفَاءٌ ï´¾ [فصلت: 44]، وقال سبحانه: ï´؟ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ ï´¾ [الإسراء: 82]، وهناك سور وآيات مخصوصة في علاج السحر؛ منها:
• قراءة سورة البقرة، وفي حديث مسلم: "اقرأوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة.

• سورة الفاتحة؛ فعن خَارِجَةَ بنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ عن عَمِّهِ: «أنَّهُ أتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأَسْلَمَ، ثُمَّ أقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بالْحَدِيدِ، فقال أهْلُهُ: إنَّا حُدِّثْنَا أنَّ صَاحِبَكُم هظ°ذَا قَدْ جَاء بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُم شَيْءٌ تُدَاوُونَهُ؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ، فأَعْطُونِي مِائَةَ شَاةٍ، فأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأَخْبَرْتُهُ، فقال: هَلْ إلاَّ هظ°ذَا؟ وَقال مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: هَلْ قُلْتَ غَيْرَ هظ°ذَا؟ قُلْتُ: لاَ، قال: خُذْهَا؛ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقَيْةِ حَقّ»، قال: «فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثُمَّ تَفَلَ، فكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ. رواه أبو داود.

• وفي عون المعبود كتاب الطب قال: قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلعل طَبًّا أصابه ثم نشره بـ(قل أعوذ برب الناس) أي رقاه)، والطب هو السحر سمي بذلك تفاؤلا.

فأنفع ما يستعمل في إذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك، وهما المعوذتان، وفي الحديث (ولم يتعوذ المتعوذ بمثلهما)، وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشياطين [46].

• قال القرطبي: قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية: ï´؟ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ï´¾ [يونس: 81] لم يضره كيد ساحر، ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر [47].

• قال ابن أبي حاتم: عن ليث - وهو ابن أبي سليم - قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى؛ تقرأ في إناء فيه ماء ثم تصب على رأس المسحور:
أ- ï´؟ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ï´¾ [يونس: 81 - 82].

ب- ï´؟ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ï´¾ [الأعراف: 118، 122].

ج- ï´؟ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ï´¾ [طه: 69] ا.هـ.

• وهناك آيات أخرى مجربة في فك السحر وإبطاله [48]:-
أ- قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [يونس: 57].

ب- قال تعالى: ï´؟ قَالواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وابْعَثْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُل سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرَب الْعَالَمِينَ ï´¾ [الشعراء: 36-47].

ج- قال تعالى: ï´؟ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وشِفَآءٌ والَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ï´¾ [فصلت: 44]..

وآية الكرسي والمعوذتان وسورة الكافرون، وهذه الآيات مع التي قبلها في رقية المسحور بالإضافة إلى آيات الشفاء، وتكون الرقية بالنفث مباشرة على المسحور، أو بقراءتها على ماء نظيف ثم الاحتساء منه مع الاغتسال به في مكان طاهر، ويروى عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسًا أن يعوذ في الماء ثم يعالج به المريض، أو بقراءتها على زيت الحبة السوداء ودهن جسد المسحور به، وثبت في صحيح البخاري أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، والسام: الموت.

ب- بالأدعية والتعوذات النبوية العامة لكل داء:
• عن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ الله يُعَوِّذُ الْحَسَنَ والحُسَيْن؛ يَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ. وَيَقُولُ: هَكَذَا كانَ إبراهيمُ يُعَوِّذُ إِسْحَاقَ وإِسْمَاعِيلَ عليهم السلام»، سنن أبي داود.

• عن ابنِ عبّاسٍ قال: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعو عندَ الكرْب؛ يقول: لا إلهَ إلاّ اللَّهُ العظيمُ الحليم، لا إله إلاّ اللَّهُ ربُّ السماواتِ والأرض وربُّ العَرشِ العظيم»، صحيح البخاري.

• عن هِشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشةَ «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي؛ يقول: امسح البأس، ربَّ الناس، بيدكَ الشفاء، لا كاشفَ له إلا أنت»، رواه البخاري.

• عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَىظ° رَسُولِ اللّهِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَىظ° الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ. وَقُلْ: بِاسْمِ اللّهِ، ثَلاَثًا. وَقُلْ، سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ»، رواه مسلم.

• عن أبِي الدَّرْدَاءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَن اشْتَكَى مِنْكُم شَيْئًا أو اشْتَكَاهُ أخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا الله الَّذِي في السَّماء، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ في السَّمَاءِ وَالأرْضِ، كما رَحْمَتُكَ في السَّمَاء فاجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا أنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ أنْزِلْ رَحْمَةً مِن رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ فَيَبْرَأُ»، رواه أبو داود.

• عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الفَزَعِ كَلِمَاتٍ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأنْ يَحْضُرُونَ»، رواه أبو داود.

ثانيا:- الأدوية المباحة التي نصت عليها السنة:
• التصبح كل يوم بسبع تمرات من عجوة المدينة؛ فعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في عَجْوَةِ العالِيَةِ أَوَّلَ البُكْرَةِ على رِيقِ النّفسِ شفاءٌ مِنْ كُلِّ سِحْرٍ أَوْ سم»، رواه أحمد وأبو داود.

وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من اصطبح كل يوم بتمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل". وكون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر [49].

• استعمال الحجامة؛ أي استفراغ الدم من العضو الذي يصل إليه أذى السحر؛ فعنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «إنْ كانَ فِي شَيْء مِمَّا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ خَيْرٌ فالْحِجَامَةُ»، رواه أبو داود. وروي أن الرسول احتجم بقرن لما طُب أي لما سُحِر.

قال ابن القيم في زاد المعاد:
"النوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر؛ فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نفع جدًا. وقد ذكر أبو عبيد في كتاب غريب الحديث له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب، قال أبو عبيد: معنى طب سحر".

• ذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر –النبق-فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات قل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله [50].

• قال ابن حجر: "وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيها ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله".

• ومن أنجح الأدوية أيضًا الوصول إلى مكان السحر بعد البحث عنه، واستخراجه لإبطاله بقراءة المعوذات عليه وآيات السحر، ثم كسره إن كان ودعًا أو صدفًا، أو إذابته إن كان (بودرة)، أو حرقه بعد القراءة عليه، وكما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل الله سبحانه وتعالى في ذلك فأرشده إليه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بسؤال الله تعالى مع الإلحاح في الدعاء بأن يكشف له مكان السحر، واعلم أن الله سميع قريب، ويجيب الدعاء إذا دعاه عبده بصدق وإخلاص، مع تمام المسكنة وكامل التوكل، واعلم أيضًا أن الله حيي كريم ويستحيي أن يرد يدي عبده صفرًا، فجد في المسألة وثق بالإجابة بإذن الله، فقد يمن الله على عبده بأن يريه رؤيا تدله على مكان السحر والرؤيا جزء من أجزاء النبوة؛ فعن أَنس بن مالكٍ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «الرُّؤيا الحسنةُ منَ الرجُلِ الصالح جُزءٌ من ستةٍ وأَربعينَ جزءًا منَ النبَّوة»، رواه البخاري.

أو أن يقدر الله بأن يتكلم الجني الموكل بالسحر فيخبر عن مكان السحر.

• قال ابن حجر: (أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل، ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به)، أي يأخذ من أوراق أشجار الشوك التي عن يمينه وعن شماله في البقعة التي هو فيها.

• وورد في كتب العلم علاج خاص للمربوط عن زوجته؛ يقول ابن حجر: (المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسًا ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج نارًا في تلك الحزمة حتى إذا حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى) [51]، فالأبخرة المتصاعدة من الفأس بعد تسخينه على النار تفيد المربوط عند تعريض الذكر لهذه الأبخرة فيخرج الجني بإذن الله ويبطل السحر.

• أما السحر المطعوم أو المشروب فإن علاجه باستسهال البطن للمسحور مع أخذ الرقية الشرعية.

الباب الثالث
( فك السحر بالسحر )
القول الراجح في مسألة فك السحر عن المسحور بالسحر:
لا يجوز فك السحر بالسحر؛ لعموم أدلة التحريم من الكتاب والسنة، وهي عامة في حال التداوي، أو النشرة، أو قصد الأذية، ومن فرق بينها فقد فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم، وهذا لا يجوز بدون مسوغ، والقاعدة عند العلماء أن ما حرم فعله حرم طلبه.

أولا:عموم أدلة التحريم من الكتاب:
يقول تعالى في محكم كتابه: ï´؟ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ï´¾ [البقرة: 102]. هم يعتقدون أنه نفع لما يتعجلون به من بلوغ الغرض، وحقيقته مضرة؛ لما فيه من عظيم سوء العاقبة، وحقيقة الضرر عند أهل السنة: كل ألم لا نفع يوازيه، وحقيقة النفع: كل لذة لا يعقبها عقاب ولا تلحق فيه ندامة، والضرر وعدم المنفعة في السحر متحققة [52].

وقال تعالى: ï´؟ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 102].

وقال تعالى: ï´؟ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ï´¾ [الأعراف: 157].

الشاهد (ويحرم عليهم الخبائث)، والسحر لما يحويه من الكفر هو أولى بالتحريم، وهو أعلى درجات الخبائث لما فيه من الكفر والشرك.

ثانيا: نصوص السنة:
• قوله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله ما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنـات"، رواه البخاري ومسلم.

يقول شارح كتاب التوحيد: "قوله اجتنبوا أي ابعدوا، وهو أبلغ من قوله دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ".

• عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان)، رواه الإمام أحمد وأبو داود.

و(النشرة): هي ضرب من العلاج والرقية، يُعالج به من يظن أن به مسًا من الجن، سُميت نشرة؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء: أي يُكشف ويُزال.

قال ابن الجوزي: النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر، وفي كلامه إشارة منه أنه لا يرى جوازها لما فيها من السحر. وقد سئل الحسن عن النشرة فقال: لا يحل السحر إلا ساحر، والساحر كافر، وحكمه القتل، ولا يستعان به، وقال الإمام أحمد: ابن مسعود يكره هذا كله، أي الرقى كلها.

قال ابن القيم رحمه الله: "النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل السحر بمثله والذي هو من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة فهذا جائز" انتهى كلام ابن القيم.

والشاهد على أن الرقية بالقرآن تسمى نشرة ما جاء في الحديث: "..فنشره بـ(قل أعوذ برب الناس)" أي رقاه.

وفي عون المعبود قال: "قوله: (هو من عمل الشيطان): أي من النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون فيه، وأما ما كان من الآيات القرآنية والأسماء والصفات الربانية والدعوات المأثورة النبوية فلا بأس به"..

• وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، رواه أبو يعلى من حديث ابن مسعود موقوفًا، ورواه البزار، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

• وعن عمران بن الحصين مرفوعًا: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له...)، رواه البزار، وهو حديث صحيح في صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة.

• حكاية الصحابية زوجة عبدالله بن مسعود في الأثر المشهور، وملخصها أنها كانت عندها راقية ترقي بالسحر بخيط تربطه في كتفها، فدخل ابن مسعود فاختبأت الساحرة تحت السرير، فرأى ابن مسعود الخيط في كتف امرأته، فعلم أنه سحر فنزع الخيط وقال: (إن ابن أم عبد وآله أغنياء عن الشرك).

• وعنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عنْ أبي الدَّرْدَاءِ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله أنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»، سنن أبي داود كتاب الطب، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة بلفظ: (إن الله تعالى خلق الداء والدواء، فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ).

• وفي رواية: سئل ابن مسعود عن التداوي بشيء من المحرمات فأجاب: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، علقه البخاري في صحيحه، وفي الحديث: رضِيتُ لأُمَّتي ما رضيَ لها ابنُ أُمِّ عَبْدٍ، لمعرفته بشفقته علـيهم ونصيحته لهم، وابنُ أُم عَبْدٍ: هو عبدالله بن مسعود.

• وفي الفتح قال الحافظ.. "ولأبي داود مرفوعًا من حديث أم سلمة قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها).

• قالت أم سلمة -رضي الله عنها-: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي، فقال: ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، وفي رواية: (إن الله لم يجعل في حرام شفاء)، انظر السلسلة الصحيحة.

• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث، سنن أبي داود، والترمذي كتاب الطب، ورواه أحمد، وقيل: هو النجس أو الحرام أو ما ينفر عنه الطبع [53].

ثالثا: بعض أقوال أهل العلم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال؛ لأن ذلك محرم في كل حال، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه، فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه، ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر) [54].

قال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: (قال بعض الحنابلة: يجوز الحل بسحر ضرورة، والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح، وحقيقته أنه يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب من ذبح شيء أو السجود له أو غير ذلك، فإذا فعل ذلك ساعد الشيطان، وجاء إلى إخوانه الشياطين الذين عملوا ذلك العمل، فيبطل عمله عن المسحور، أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة؟ مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله، فالرسول صلى الله عليه وسلم منع وسد الباب، ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور) [55].

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة: أن استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين، وآية الكرسي، ونحو ذلك مما تجوز الرقية به، فلا مانع من ذلك، وإن كان بسحر، أو ألفاظ أعجمية، أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع، وهذا واضح، وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى) [56].

وقال الشيخ حافظ حكمي:
وحَلُّه بالوحي نصًّا يُشرعُ ♦♦♦ أما بسحر مثله فيُمنعُ

(وحله) يعني حل السحر عن المسحور (بـ) الرقى والتعاويذ والأدعية من (الوحي) الكتاب والسنة (نصًّا) أي بالنص (يشرع) كما رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بالمعوذتين، وكما يشمل ذلك أحاديث الرقى.

وقال رحمه الله: (أما حل السحر عن المسحور بسحر مثله فيحرم؛ فإنه معاونة للساحر، وإقرار له على عمله، وتقرب إلى الشيطان بأنواع القرب ليبطل عمله عن المسحور، ولهذا قال الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنها: هي من عمل الشيطان. ولهذا ترى كثيرًا من السحرة الفجرة في الأزمان التي لا سيف فيها يردعهم يتعمد سحر الناس ممن يحبه أو يبغضه، ليضطره بذلك إلى سؤاله حله، ليتوصل بذلك إلى أموال الناس بالباطل، فيستحوذ على أموالهم ودينهم، نسأل الله تعالى العافية) [57].

قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى:
"فك السحر بالسحر لا يجوز، وإتيان الكهان أو إحضارهم عند المسحور لفك ما به من سحر لا يجوز، وتعليق الحجب والتمائم لذلك لا يجوز، ولو ترتب على ما ذكر فك السحر أحيانًا، ولكن يرقى المسحور بتلاوة القرآن عليه؛ كسورة الفاتحة، وآية الكرسي، وقل هو الله أحد، والمعوذتين ونحوها من سور القرآن وآياته، وكذلك يرقي بالأدعية الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)".

شبه وحجج مجيزي فك السحر بالسحر، والرد عليها على ضوء الكتاب والسنة وقواعد الفقه وأصوله:
أما حجج مجيزي فك السحر بالسحر، فالغالب أنه لا دليل لهم عليها، وما هي إلا تقديم للرأي على النص، وتعظيم لكلام الأشياخ أو قواعد تنتفي مناسباتها في هذه المسألة.

وهذه استدلالاتهم وحججهم وما توصل إليه البحثُ في حقها:
أولًا: يرد المجيزون قـول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان) عن كونه يدل على نهي النبي عن النشرة، فيرون أن قولـه: (هي من عمل الشيطان) إشارة لأصلها ولا يـرون أن فيه أي أمر بالنهي عنها، وذكر الحافظ ابن حجر مثل ذلك في فتح الباري [58].

قال مصنف كتاب التوحيد شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى– في باب النشرة: عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان)، رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله.

ويقول أهل العلم هو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وقال أهل العلم: هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وعن المداواة المعروفة. [59].

قال الشارح الشيخ حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى: قوله: "سئل عن النشرة": الألف واللام في (النشرة) للعهد أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها هي من عمل الشيطان".

ونرد عليهم من قواعد الأصول؛ فإن الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام إما أن تأتي بصيغة الأمر أو بصيغة خبر يراد به الأمر فتستدعي الفعل، وإما أن تأتي بصيغة النهي أو بصيغة خبر يراد به النهي فتستدعي الترك[60]، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس في حديثه لفظ صريح بأمر أو نهي كقول: اجتنبوا أو دعوا.. وغيره من الألفاظ التصريحية. لكنه استعاض عنه بخبر جاء عوضًا عن التصريح ودل عليه.

قال: (هي من عمل الشيطان). وفي الشرع هذا وصف خاص للمحرمات دون المباحات، وهو علة تستدعي وتدل على النهي، وخبر ويراد به الترك في الأصل.

ودليله أن أهل العلم يستنبطون من وصف أي أمر ما في النصوص بأنه من عمل الشيطان، أن الشارع يريد بذلك النهي عنه:
مثاله قول الله تعالى: ï´؟ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ï´¾ [المائدة: 90].

استفاد أهل العلم التحريم في هذه الآية من وجوه؛ منها قوله تعالى: ï´؟ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ï´¾ [المائدة: 90].

يقول القرافي: "قال تعالى: ï´؟ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ï´¾ [المائدة: 90] فإضافته إلى الشيطان تفيد التحريم في عرف الشرع" ا.هـ [61].

وقال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: "قال تعالى: (من عمل الشيطان)؛ لأن مهما كان من عمل الشيطان حرم تناوله" [62].

يقول الطيبي: قوله تعالىï´؟ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ï´¾ [المائدة: 90]، وما هو من عمله حرام. [63].


فقال تعالى: ï´؟ فَاجْتَنِبُوهُ ï´¾ [المائدة: 90] والحكم المقرون بالفاء بعيد وصف يشعر بعليته كما في قواعد الأصول، فالأمور المذكورة في الآية قرنت بعلة واحدة مشتركة فيها اقتضت النهي عن الجميع، فالعلة المجتمعة هي في قوله تعالى: "رجس من عمل الشيطان".


وبدوران العلة يثبت حكم النهي في النشرة؛ لوجود العلة التي اقتضت تحريم كل ما ذكر في الآية السابقة. فالأمر الذي يوصف بعمل الشيطان أو بالرجس يكون حكمه النهي دائمًا؛ سواء نهي كراهة أو نهي تحريم بحسب الحال.

وأيضًا من الأمثلة قوله تعالى: ï´؟ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ï´¾ [النور: 31]، يقول ابن جرير: "عن ابن عبـاس: وَلا يَضْرِبنَ بأرْجُلِهِنَّ، نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان". فالسبب الذي كان من دواعي النهي ذكره لنا ابن عباس، وقول الصحابي حجه.. إذن "عمل الشيطان" كما يظهر هي علة استفاد منها العلماء النهي والترك...

والرسول صلى الله عليه وسلم ينهانا في أحاديثه عن أمور ويصرح بالسبب: أنها من عمل الشيطان.

وفي صحيح مسلم وعند الإمام أحمد رحمهما الله عن أَبي هريرة رضي الله عنه [64] قال: قال رسول الله: «المؤمن القوي خير وأحب إِلى الله من المؤمنِ الضعيف، وفِي كل خير، احرِص علَى ما ينفعك، واستعن بِالله، ولا تعجز، وإِن أصابك شيء فَلا تقل: لو أنِي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدر الله وما شاء فَعل، فإِن لو تفتح عمل الشيطَانِ».

وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عَنْ أنس رضي الله عنه [65] قَال: (لما فتح رسول اللّه خيبر، أصبنا حمرًا خارِجًا من القرية، فطَبخنا منها، فنادى منادي رسولِ الله: أَلا إِن الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنها رِجس من عملِ الشيطَانِ، فأكفئت القدور بِما فيها، وإنها لتفور بِما فيها).

السبب الذي دعا للنهي هو كونها من عمل الشيطان، وصرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحري بنا أن ننتهي بنهيه ونحرص على اجتناب كل ما كان كذلك، وورد في الأصل تحريمه وتواترت الأدلة على ذلك.

وكثير من المحرمات والكبائر في الشرع يطلق عليها هذه التسمية: "من عمل الشيطان"، ولم يسبق أن سميت بها المباحات إطلاقًا.

قال تعالى: ï´؟ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ï´¾ [القصص: 15، 16]، موسى عليه السلام قتل القبطي فندم وقال: هذا من عمل الشيطان - أي القتل العدوان المحرم - واستغفر الله وتاب إليه. ويقول أهل العلم إن التوبة تكون من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق.

وبنو إسرائيل لما أراد السامري إغواءهم وصدهم عن توحيد الله أتاهم بالعجل ليعبدوه، يقول ابن كثير: "قالت فرقة من بني إسرائيل: هذا من عمل الشيطان - أي الشرك - وليس بربنا لا نؤمن به ولا نصدق".

وفي فتح الباري قال الحافظ: وثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر ومن حديث جابر عند مسلم.

فالأمثلة الشرعية السابقة هي برهان على بطلان حجتهم ودليل على دحض شبهتهم وردها عليهم. وهي إثبات لعكس ما يقولون. فمن الخطأ أن يقال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة: "هي من عمل الشيطان" لا يحمل دلالة على النهي عن النشرة، مع أنها قرنت فيه بهذه الصفة المقتضية للنهي..!! فـ"منهج الشريعة" هو الذي أكد استدعاء النهي؛ لأن عمل الشيطان عمل حقير خبيث يحمل عليه هو؛ فيزين القبيح، ويغوي الخلق به، ويضلل به العباد عن الحق وعن الصراط السوي، وعمله من الأعمال التي تسخط الله ولا ترضيه، وليست هي من الأعمال التي يرتضيها الله لصفوة عباده المسلمين. قال عز وجل: ï´؟ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ï´¾ [البقرة: 168]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ï´¾ [فاطر: 6]، يقول المفسرون: أي لا تتبعوا طرائقه ومسالكه التي أضل بها أتباعه.

ثم إن النهي يحمل على التحريم لا الكراهة، وليس في النص إشارة كافية للحمل سواء على التحريم أو الكراهة، ولكن أدلة السحر العامة في حكمه وحكم فاعله وحكم طالبه ترجح حمل هذا النهي على التحريم لورود الزجر والعقاب وترتب الإثم الكبير على ذلك، ومنها. قوله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ï´¾ [البقرة: 102]، أي من استبدل دينه بالسحر فإنه لا نصيب له، وعد الرسول صلى الله عليه وسلم السحر عامة من الموبقات المهلكات في الحديث الذي أخرجه البخاري، وقال: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له).

والأدلة في هذا المعنى كثيرة، ويستفاد منها التحريم لا الكراهة، والنصوص القرآنية تبين أن السحر كفر والساحر كافر، وتنهى عن طلب السحر واستبداله بالدين؛ فالنصوص عامة أو قد تكون مجملة، وإن كانت مجملة فهي تحتاج لما يبينها، وفي السنة ما يبينها؛ فالنشرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: (هي من عمل الشيطان)، وبين الرسول أن إتيان الساحر كفر بما أنزل الله وهو القرآن، وهذا عام؛ سواء كان الإتيان لتعلم السحر، أو كان لسؤال الساحر عن المغيبات، أو لعمل السحر للآخرين، أو كان للنشرة، كما دلت النصوص، والتفريق بين ما جمع بينه النص بغير قرينة صحيحة لا يجوز.

ثم إن الرسول صلى اله عليه وسلم لم يصدر هنا حكمًا جديدًا أو وصفًا خاصًّا بالنشرة؛ لأن السحر أخبر الله عنه أنه من عمل الشيطان بدلالة قوله تعالى: ï´؟ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ï´¾ [البقرة: 102]، قال ابن باز رحمه الله: "هنا في هذه الآية تحذير من تعلم السحر وتعليمه؛ لأنه من عمل الشيطان، َولأنه كفر ينافي الإيمان" ا.هـ.

فالذي يخلص إليه بعد النظر في الأدلة والقرائن، وبعد التتبع لهذه العبارة في أحكام القرآن والسنة، بيان أن وصف النشرة بأنها من عمل الشيطان كان كافيًا لنعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد فيها التحريم؛ لأنه ألصقها بوصفٍ مقتضٍ للنهي في الشرع دائمًا، ولا يدل على الإباحة... فما زعموه مغاير لمقتضى الكتاب والسنة.

يقول بعض المجيزين: [66] "أخذ البعض يستدلون بما لا دليل فيه، ويخلطون بين الساحر والكاهن، ويستدلون بقوله: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، والكاهن والعراف هما اللذان يخبران بالغيب المستقبل الذي لا يعرفه إلا الله، ولهذا فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عقد بابًا فيما جاء في الكهان ونحوهم، ثم عقد بابًا آخر فقال: "باب ما جاء في النشرة"، مما يدل على التفريق".

قال الإمام أحمد: "العرافة طرف من السحر، والساحر أخبث؛ لأن السحر شعبة من الكفر. والساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان أمرهما" ا.هـ [67]، والكاهن هو من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل [68]. وما يقوم به العراف والكاهن من ادعاء علم الغيب يُعدُ من السحر بدلالة أن التنجيم ادعاء لعلم الغيب ودجل وكذب، وعده الرسول أيضًا من السحر؛ فعن العباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود وإسناده صحيح،. فكل من ادعى علم الغيب فهو داخل في مسمى الساحر كما ثبت بالنص،،،، وكل حكم يلحق بالكاهن والعراف فالساحر أولى به لأن الساحر كاهن وزيادة. فزيادة على ادعائه لعلم الغيب هو يعقد وينفث.

ثم إن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- صحح الحديث برواية أخرى: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، وحديث آخر على هذا المعنى: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له)، فيبطل احتجاجهم من غير ريب ولا شك.

وقال الشيخ حفظه الله أيضًا: "الذين يأمرون الناس بالاقتصار على الرقية يخالفون ما فعله من استخراج السحر وحله".

إن الرسول صلى الله عليه وسلم استخرجه بالوحي، ولم يستخرجه بالسحر والشعوذة، وحاشاه من ذلك، وإن من أنجح الأدوية الوصول إلى مكان السحر وإتلافه وإبطاله، لكن لا يباح إن كان ذلك بالسحر الذي حرمه الله في كتابه وعلى لسان نبيه، وعده من الموبقات المهلكة لما فيه من الأمور الموغلة في الكفر والشرك..

قال الشيخ أيضًا: "يُستدلُ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالحرام. فإن حل السحر ليس من تعاطي الأدوية المحرمة المأكولة والمشروبة، فالحديث هو في التداوي بأكل الطعام المحرم أو شرب ما هو محرم؛ كالخمر ولو على سبيل التداوي، أما السحر فهو بحل عقد وإتلاف ما وضع فيه السحر واستخراجه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم".

إن لفظ التداوي الوارد في الحديث الشريف لفظ عام لا يسوغ تخصيصه بالدواء المأكول والمشروب؛ لأن المفهوم الظاهر للحديث هو عموم الدواء، والأدوية متنوعة الهيئة والأساليب ليست فقط مأكولة أو مشروبه؛ فمنها ما هو على هيئة البخور، ومنها ما يكون عن طريق الرقى أو الحجامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِه الْحِجَامَة)، رواه الترمذي، أو الكي أو التدليك أو الاستفراغ، أو حرق الحصير كما ثبت ذلك بفعل فاطمة رضي الله عنها، أو الحمية أو الاغتسال بالسدر وغيره من الأعشاب، وكذلك حل العقد وإتلافها فهي من الأساليب الناجحة في دواء المسحور.

ثم إنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن حل عقد وإتلاف ما وضع فيه السحر واستخراجه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو من أسباب الشفاء وإزالة البأس. والرسول صلى الله عليه وسلم قيد أسباب الشفاء فقال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، أخرجه البخاري في صحيحه. فطلب الشفاء عن طريق السحر محرم؛ لأن السحر محرم في ذاته، ولأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في محرم شفاء، وقال الله تعالى: ï´؟ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ï´¾ [سورة الأعراف: 157]، وهذا عام في تحريم كل ما هو خبيث، ويشمل التداوي بالسحر.

ثانيا: يتذرعون بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم النشرة، وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَكثَ النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يُخيَّلُ إليه أنه يأتي أهلَه ولا يأتي. قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني في أمر استفتيته فيه؛ أتاني رجُلان فجلسَ أحدُهما عندَ رجلَيَّ والآخرُ عندَ رأسي، فقال الذي عندَ رِجليَّ للذي عندَ رأسي: ما بالُ الرجُل؟ قال: مَطبوب -يعني مسحورًا- قال: ومَن طبَّه؟ قال: لَبيدُ بنُ أعصَم قال: وفيمَ؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذَكر في مشطٍ ومُشاطة تحتَ رَعوفةٍ في بئرِ ذَروانَ. فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذهِ البئرُ التي أُرِيتها، كأَنَّ رُؤوس نخلِها رؤوس الشياطين، وكأنَّ ماءَها نقاعةُ الحنّاء. فأمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم فأُخرجَ. قالت عائشة: فقلتُ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلا، تَعني تَنشرْتَ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أمّا الله فقد شفاني، وأما أَنا فأكرَهُ أن أثيرَ على الناسِ شرًّا. قالت: ولَبِيدُ بن أعصَم رجل من بني زُرَيق، حَليفٌ ليهود».

يقول الشعبي: إن في ذلك دلالة على جواز النشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإنكار على عائشة، وهذا دليل على الجواز.

ويؤخذ عليهم في استدلالهم هذا مأخذان:
أولا: أن من الأصول المستقرة عند الأصوليين إذا اختلفت الروايات فإن الجمع بينها أولى، وحملها جميعها على معنى واحد متوافق أولى، والحديث هذا أتى بروايات متعددة ظاهرها الاختلاف حول سؤال عائشة؛ فأتى سؤالها بلفظ: أفلا أحرقته؟ في صحيح مسلم، وعند أحمد بلفظ: أفأخرجته أو استخرجته؟ ولفظ: أفلا؟ أي تنشرت في البخاري، ومدار الحديث على هشام بن عروة، يقول ابن بطال: إن الاعتبار يعطى لسفيان الذي ورد في روايته أن عائشة سألت عن النشرة، فإن الزيادة منه مقبولة؛ لأنه أقواهم في الضبط.

ويقول ابن حجر في فتح الباري: "إن سفيان عندما قال: أفلا؟ أي تنشرت، كأنه لم يستحضر اللفظة فذكره بالمعنى، وظاهر هذه اللفظة أنه من النشرة، ويحتمل أن يكون من النشر؛ بمعنى الإخراج فتوافق من رواه بلفظ: (فهلا أخرجته) أي أخرجت ما حواه الجف. ولأن النشر يأتي بمعنى الإخراج، فالأولى أن تحمل الروايات على معنى واحد يعبر عن هذه الألفاظ المتعددة؛ وهو أن سؤالها كان عن إخراج ما احتواه الجف من السحر وإظهاره للناس، فهناك إخراجان أحدهما مثبت والآخر منفي؛ الأول إخراجه من البئر، وهو المثبت؛ ففي الحديث: فأمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم فأُخرجَ، والثاني المنفي؛ وهو إخراج ما حواه الجف من السحر وإظهاره للناس، وهو الذي سألت عنه عائشة رضي الله عنها.

وان قيل: إن الحمل على هذا المعنى لا يصح لأن بعض الروايات جاء فيها إشعار باستكشاف ما حواه الجف فوجدوا وترًا فيه عقد وانحلت عند قراءة المعوذتين، فهذه الروايات غير ثابتة، قال الحافظ: [69] "فلو كان ثابتًا لقدح في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كل منهما من ضعف".

ثم إن سؤال عائشة من الصعب أن يحمل على معنى: لو أنك ذهبت للسحرة لفك سحرك؛ إذ كيف تشير عليه عائشة رضي الله عنها بطلب العون من السحرة واللجوء لهم، وهي تدرك قول الله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ï´¾ [البقرة: 102]، وتدرك وتعي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها السحر، ولا تجهل الكفر الذي يقوم به الساحر، فهل يعقل أن تشير على رسول هذه الأمة أن يلجأ إلى ساحر وهو الذي ينهى عنه وعن إتيانه؟

فالأولى حمل النشرة التي وردت في حديث سفيان على الإخراج؛ للتوفيق بين الأدلة وهذا ممكن ولله الحمد.

وثانيا: حتى وإن سلمنا أن سؤال عائشة كان عن الذهاب للسحرة، وثبت إقرار النبي للنشرة، فهذا أيضًا لا يرجح الجواز؛ لأن ذلك فيه تعارض بين النصوص مع بعضها، ولا يمكن الجمع والتوفيق بينها؛ وهي حديث عائشة هذا الذي برواية سفيان وحديث جابر الذي رواه أحمد وأبو داود، فعن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن النشرة قال: (هي من عمل الشيطان) وكل منهما دليل خاص.. فعلينا الترجيح بينهما، ومن قواعد الترجيح:
1- أن الفعل لا يقدم على القول؛ ويقول الأصوليون من باب أولى أن لا يقدم الإقرار على القول، فيرجح بهذا حديث جابر لأنه قولي فيقدم بذلك.

2- وأيضًا من قواعد الترجيح أخذ ما كان العمل به أحوط، وما لا يتعارض مع ما شهد به القرآن والسنة والإجماع، والذي لا يتعارض أيضًا مع ما عمل به الخلفاء؛ ففي البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، فلو كان في إبقائهم مصلحة ترجى أو خير يبتغى لما أمر بقتلهم عمر رضي الله عنه!!! فيرجح بهذا حديث جابر لأنه أحوط وأسلم ولا يخالف النصوص، بل جاء موافقًا للقرآن وسنة النبي وسنة أصحابه الأخيار من بعده.

3- وأيضًا من قواعد الترجيح إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم والآخر يقتضي الإباحة قدم التحريم في الأصح، قال الأئمة: وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم، وذلك أولى من عكسه. وأورده جماعة حديثًا، وروي موقوفًا على ابن مسعود فيرجح بهذا حديث جابر لأنه نص على النهي.

ففِعله وإقراره صلى الله عليه وسلم إن عارض قوله ظاهرًا، فإما أن يكون ذلك خاصًّا به أو لأسباب وحكمة لا نعلمها بسب القصور في الذهن لدينا. فيبقى حكم النهي كما هو لا يزول لهذه الأسباب التي قررها أهل العلم.

ثالثا: يستدل المجيزون بما رواه البخاري عن قتادة قال: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.

وهذا من ابن المسيَّب يُحمل على نوع من النشرة لا يُعلم أنه سحر؛ لأن سؤال قتادة في النشرة عن المسحور، وكان جواب ابن المسيب لا بأس -أي بالنشر- لأنهم يريدون الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. فدل على أنه أراد الرقية الشرعية أو النشرة المباحة الخالية من الشرك؛ لأنها منفعة لا تلحقها مضرة لا دنيوية أو أخروية، والنبي لم يأذن بفك السحر إلا بالرقية الشرعية والأدوية المباحة؛ كما في الحديث: فلعل طبا أصابه، ثم نشره بـ(قل أعوذ برب الناس)، أي رقاه، وطلب من الصحابة الكرام أن يعرضوا رقاهم عليه فقال: اعرضوا علي رقاكم؛ لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا.

وأما حمل كلام ابن المسيب على جواز النشر عن المسحور بالسحر فلا يصح، وإن صح عنه ذلك فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لأنه قول مخالف للنصوص العامة والخاصة، والسحر عرف منذ القدم وعرفته العرب، وكان يستخدم على الوجهين: في الشر والضرر، وفي النشر وحل السحر عن المسحور، وبعد الإسلام نزلت آيات السحر في ذمه والنهي عنه، آيات عامة بدون تخصيص، وكذلك أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم تأمر باجتنابه وتبين كفر طالِـبِه والخطاب فيها عام، فالنهي يشمل الوجهين.

يقول ابن قدامة في روضة الناظر وجنة المناظر: "إجماع الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم من أهل اللغة، بأجمعهم أجروا ألفاظَ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل على تخصيصه دليل، فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم، والإجماع حجة، فالأصل استصحاب عموم الدليل حتى يرد المخصص".

والعموم لا يحمل على غيره إلا بقرينة. ولا توجد قرينة تنقله للخصوص، فأدلة السحر القرآنية والحديثية، أدلة تشتمل على ألفاظ وصيغ تعبر عن العموم، وهي معروفة ومدونة في كتب العلم، فإن وردت في النصوص كان دليلا عامًّا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).

فيه من صيغ العموم "من" للعاقل، و"ما" فيما لا يعقل، أي عموم الإتيان للساحر والاستعانة به وقصد سحره يترتب عليه الكفر، بأي غاية كانت، وتصديقه بأي شيء قاله دون تخصيص أو استثناء، فهذا هو المفهوم الظاهر للحديث، فيبقى المعنى والحكم كما هو لانتفاء الناسخ أو المخصص أو الإجماع على خلاف العموم.

فلم يخصصون الدليل؟
وقال أيضًا صلوات ربي وسلامه عليه: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له)، فيه (من) وهي من ألفاظ العموم؛ ففيه كفر من تطلب عمل السحر، ولا شك أن الشخص المسحور الذي ينشر عنه بالسحر يدخل في هذا العموم، والسحر هنا لفظ عام يشمل الوجهين.

وقال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله/ والسحر..... الخ)، والسحر اسم جنس محلى بـ(ال) التعريف فيوجب العموم، أي يشمل سِـحرًا قُــصِد للشـرِِ والأذية أو التفريق أو للنشر عن المسحور لما فيه من الأمور الكفرية، فالأمر عام بالاجتناب، والأصل في الأوامر الحتم، يقول شارح كتاب التوحيد: "قوله: اجتنبوا أي ابعدوا، وهو أبلغ من قوله دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ"، وغيره من الأدلة.

وهكذا الأدلة جميعها، فالناظر إليها يجدها أدلة عامة. فليست هي خاصة لمن قصد السحر لإرادة الإضرار.

والمخصصات هي: النص، والعقل، والحس، والمفهوم، والإقرار، والفعل، والإجماع، ولا أحد يستطيع أن يثبت شيئًا منها.
فالأولى حمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا يُعلم أنه سحر.

رابعا: يقولون حملَنا على الإباحة الضرورةُ التي تباح بها المحرمات
استنباطًا من قول الله تعالى: ï´؟ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ï´¾ [الأنعام: 119].
فهذا احتجاج فاسد لا اعتبار له؛ لأن علماء الأصول وضعوا لهذه القاعدة شروطًا تضبطها وتحكمها، فلا بد من تحققها واستيفائها أولا، ومن هذه الشروط -بل هو أولها- أن يتعين المحظور طريقًا لدفع الضرورة، أي انتفاء البديل عدا الأخذ بالمحظور، والمعلوم أن البدائل موجودة وطرق علاج السحر كثيرة، كما تبين سابقًا، فلا يرى إذن ما يسوغ فعل المحظور.

• وفي بيان للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن علاج السحر، جاء فيه:
(.. ولا يصح القول بجواز حل السحر بسحر مثله بناء على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات؛ لأن من شرط هذه القاعدة أن يكون المحظور أقل من الضرورة، كما قرره علماء الأصول، وحيث إن السحر كفر وشرك، فهو أعظم ضررًا؛ بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك)، أخرجه مسلم، والسحر يمكن علاجه بالأسباب المشروعة، فلا اضطرار لعلاجه بما هو كفر وشرك..)ا.هـ.

ثم إن التداوي لا يعد ضرورة، ولا تستحل به المحرمات، والدليل على ذلك ما قاله ابن تيمية في الرد على من أباح التداوي بالمحرمات؛ قال: "أما إباحة المحرمات للضرورة فحق؛ وليس التداوي بضرورة لوجوه:
أحدها: أن أكثر المرضى يشفون بلا تداو، ويشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض، وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة قلب وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة ظاهرة وباطنة، روحانية وجسدية.

وثانيها: أن التداوي غير واجب، ومن نازع فيه خَصَمتْه السنةُ في المرأة السوداء التي خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الصبر على البلاء ودخول الجنة، وبين الدعاء بالعافية، فاختارت البلاء والجنة. ولو كان رفع المرض واجبًا لم يكن للتخير موضع، وخَصَمَه حالُ أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين لم يتعاطوا الأسباب الدافعة له؛ مثل أيوب عليه السلام وغيره، وكذلك السلف الصالح.

ثالثها: أن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض، إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد.

رابعها: أن المرض يكون له أدوية شتى، ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو دواء، والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت، ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم كما جاء في الحديث المروي: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" [70].

ثم قال في موضع آخر -رحمه الله-: (والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال).

خامسا: احتجاجهم بالقاعدة (الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع)؛ فالمجتهد الضال عندما يخالف عموم النصوص الصريحة من غير مسوغ شرعي من أجل مصلحة يتوهمها ليس له عليها من الله برهان فقد وقع في الخطأ العظيم؛ لأنه تحليل للحرام وتحريم للحلال، وذلك دليل على ضحالة علمه وجرأته على دين الله.

فإن هذه القاعدة ليست على الإطلاق، بل قُيدتْ بقيد، يقول الفقهاء: إن الحكم على المضار والمنافع، يكون بأدلة السمع لا بأدلة العقل، خلافًا للمعتزلة [71]؛ لأن المصالح والمنافع نسبية يختلف اعتبارها من مجتهد لآخر، فاحتاجت لشرع من الإله يضبطها.

فالضابط هو قول الشارع، والله عز وجل قال في السحر الذي يزعم المجيزون منفعته ويحتجون لإثبات إذن التداوي به: ï´؟ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ï´¾ [البقرة: 102]، يقول أهل العلم: نفى الله أن يكون في السحر منفعة بأي وجه من الوجوه، فإنه ضرر محض خالص لا نفع فيه إطلاقا؛ لأن الفعل المضارع بعد النفي يدل على العموم كما حكاه بعض العلماء، فالمحرمات التي فيها شيء من النفع وفيها ضرر أكبر تحرم للضرر العظيم الذي فيها، فكيف بالذي كله ضرر؟ فإنه يحرم من باب أولى. والخمر والميسر أخبر الله أن فيهما منفعة، فالله لم ينفِ منافعهما مع رجحان إثمهما فلذلك حرما، وحرمت عموم الخبائث وكل نجس، ولكن أجيز التداوي بأبوال الإبل بالنص مع أنها مستقذرة لثبوت المنفعة الراجحة بها.

روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا: (إن في أبوال الإبل شفاء لذربة بطونهم) [72].

لكن في السحر الأمر يختلف لنفي الشارع المنفعة مطلقًا؛ لأن الكفر لا توجد فيه منفعة، بل هو مفسدة عظمى للعقائد والنفوس، ولو كان فيه منفعة لنفع السحرة أنفسهم، فهؤلاء يعلمون أن الساحر ما له نصيب في الآخرة، لكنهم يطلبون به الشرف والرئاسة في الدنيا، وطالت الأزمان ولم يحصل لهم ذلك، فما نفعهم السحر كما دلت عليه أحوالهم، ولا ننكر أن الساحر قد يتحصل له بعض أغراضه لكن يعقبه الضرر عليه في الدنيا والآخرة أعظم مما حصل عليه من أغراضه.

وقال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ï´¾ [طه: 69].
يقول البعض: إن هذه الآية المقصود بها نفي فلاحهم في الآخرة، وليس المقصود نفي فلاح سحرهم في الدنيا؛ لأنهم قد يفلحون في إيقاع الضرر أو النفع، ويقول المفسرون على هذه الآية: أي لا يظفر الساحر بسحره بـما طلب أين كان [73]، والمفلح: هو الذي ينال المطلوب وينجو من المرهوب، فالساحر لا يحصل له ذلك [74].

فالفعل في سياق النفي يدل على العموم؛ قال تعالى: (لا يفلح) أي يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب؛ قال تعالى: (حيث أتى) تأكيدًا للعموم، أي حيث توجه وسلك، وهذا أسلوب عربي معروف، يقصد به التعميم كقولهم: فلان متصف بكذا أينما كان [75]، وإن قولهم بأن السحرة يفلحون في إيقاع الضرر والنفع فإنه مصادمة مع كتاب الله؛ لأن الأصل هو إثبات ما أثبته الله في كتابه ونفي ما نفاه. والله أثبت لهم إيقاع الضرر بعد مشيئته سبحانه فقال: ï´؟ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ï´¾ [البقرة: 102]، لكن النفع نفاه الله عز وجل فقال: ï´؟ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ï´¾ [البقرة: 102]، وحقيقة النفع: لذة لا يعقبها عقاب ولا يلحقها ندامة، ونفي فلاحهم بعملهم مقيد يخرج عنه ما أثبته لهم من التفريق والأذية.

فبطل احتجاجهم بالقاعدة؛ لأنها قاعدة مقيدة وليست على الإطلاق، فتبين زيف ادعائهم؛ لأن النصوص الإلهية تنفي النفع عن السحر، بل على العكس ثبت مضرته وفساده على العقائد والنفوس، فمن ادعى أن في السحر مصلحة فإنها مصلحة متوهمة، وهي مصلحة ملغاة؛ لتعارضها مع عموم نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (إن الله تعالى خلق الداء والدواء، فتتداووا ولا تتداووا بحرام) [السلسلة الصحيحة]، فعلى تقدير رجحان المصلحة يلزم انتفاء الحرمة كما قرر ذلك علماء الأمة.

سادسا: يحتجون بالقاعدة الفقهية (الأمور بمقاصدها).
وذكر ابن حجر مثل هذا، والقاعدة استنباط من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..)، يقول أهل العلم: إن الشريعة مبنية على المقاصد ووسائلها، ووسائل المقصود الموصلة إليه لها حكمه. وهذا الكلام صحيح، لكن في هذه المسألة لا يستدل به؛ لأنه إلباس للحق بالباطل، لأن القاعدة هي:
1- قاعدة فقهية موضوعها أفعال المكلفين، وهي ليست ضابطًا لاستنباط الحكم من النصوص الواردة في المسألة.

2- وأيضًا لا يقتصر عليها بذاتها في إصدار الأحكام دون أن يعضدها نص يعزز الحكم.

3- وأهل العلم يستدلون بهذه القاعدة في العبادات المحضة، وفي المباحات والتروك الموجبة للمثوبة، لأن النية عبادة بحد ذاتها، وفي المعاملات والعقود بين الأفراد بشتى أنواعها، وفي الأيمان. لكن الاستدلال بها لتسويغ المحرمات والكبائر ما سبق أحد من أهل الحق لهذا.

4- يقول المحققون: إن قواعد الفقه قواعد أغلبية مبنية على وجود مسائل مستثناة من تلك القواعد، تخالف أحكامها حكم القاعدة، بسب نص أو إجماع أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثرة، لذلك سمى العلماء قواعد الفقه قواعد أغلبية أكثرية لا كلية مطردة، وسموا قواعد الأصول قواعد مطردة؛ لأنه لا يستثنى منها شيء.

وورد في كتب القواعد الفقهية مسائل مستثناة على قاعدة الأمور بمقاصدها، من هذه الاستثناءات التي وردت على القاعدة: التوسل بالوسائل المحرمة للحصول على أمر مباح شرعًا؛ إما استعجالا أو تحايلا، وعُبر عن هذا الناقض في منظومةٍ لأصُولِِ الفقهِ يقولُ نَاظِمُها:
وَكُلُّ مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيءَ على ♦♦♦ وجْهٍ مُحَرَّمٍ فَمَنْعُهُ جَلاََ

فالتوسل بالسحر المحرم المشتمل على أقوال أو أفعال أو اعتقادات كفرية، والتداوي به، والعدول عن الوسائل المباحة استعجالا للشفاء...هو أمر لا يستدل عليه بهذه القاعدة؛ لأنه مستثنى من القاعدة، ولا سبيل لهم للاحتجاج بها على ذلك؛ لأن السحر وسيلة في ذاتها محرمة بل كفر في أصلها.

5- قال ابن حجر: إن قصد بها خيرًا كان خيرًا، وإلا فهو شر.

أي بحسب النية؛ لكن أهل العلم قرروا أن هناك أفعالا لا تتبدل أحكامها باختلاف القصد أو النية، ولا شك أن الكفر هو في مقدمة الأشياء التي لا يتبدل حكمها، وإن قيل: النطق بالكفر يجوز كما في حال الفرار به من القتل فكذلك السحر؟ نقول: يختلف هذا؛ لأن الفرار به من القتل متيقن ومباح بالنص، لكن الاستشفاء بالسحر متوهم وغير متيقن وحرم بالنص، فاختلفا في الحكم، ثم إن النطق بكلمة الكفر لا يتعدى اللسان والقلب مطمئن بالإيمان، أما الاستعانة بالساحر فإن القلب عند ذلك يدخل عليه شيء قل أو كثر من التوكل عليهم واعتقاد مقدرتهم الخاصة فلذلك افترقا.

6- وفي مبحث شروط صحة وسلامة النية يقول الفقهاء: لا بد أن لا يتنافى المنوي مع الشرع، أي عدم التوصل للمنوي -الذي هو رفع الضرر بالسحر- بسبب منع منه الشرع، والشارع قد نفى مطلقًا المنفعة من السحر بوجه من الوجوه، فكيف ينوى بالسحر النفع ورفع الضرر؟ وان كان هناك نفع فهو وقتي زائل وتعقبه ندامة وحسرة وعقاب، فكان من المُفترض أن لا تترك النصوص الظاهرة الجلية وتستبعد الأدلة الشاملة للفرع والضابطة لحكمه، ويحتج بقاعدة فقهية يظهر بالبرهان أنها وُضِعتْ في غير محلها، وأنها لا ترجح ما اختاروه إطلاقًا.

سابعا: قالوا: إن مسألة فك السحر بالسحر قد تعرض لها علماء أجلاء من السلف وقالوا بجوازها؛ كالإمام أحمد، وابن الجوزي، والإمام البخاري، وابن حجر، والطبري، وابن بطال، والشعبي، وبعض علماء الحنابلة؛ رحمهم الله تعالى جميعًا.

وهذا مرود عليه؛ لأن الأصل أن لا يقدم قول أحد البشر على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟)

قال الإمام مالك: "ما منا إلا رادّ ومردود عيه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم"، وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير. وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع؛ فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر كما في الحديث، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وعلى هذا فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد العلماء كائنًا من كان، قال أبو حنيفة رحمه الله: "إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال"، فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وفهم معنى ذلك أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه؛ كما قال تعالى: ï´؟ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ï´¾ [الأعراف: 3]، وقال تعالى: ï´؟ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ï´¾ [العنكبوت: 51].

فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء، ونظر فيها، وعرف أقوالهم، أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة. والأئمة رحمهم الله لم يقصروا في هذا البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة؛ لعلمهم أن من العلم شيئًا لم يعلموه وقد يبلغ غيرهم، قال أبو حنيفة: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله، وقال الربيع: سمعت الشافعي - رحمه الله - يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت [76].

وأما قولهم: إن الإمام أحمد يجيزه فهذا خطأ؛ لأنه لما سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا، قيل له: أترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. وهذا دليل على أنه لا يجيزه.

ومما يمكن أن يُستدل به على عدم جواز فـك السحر بالسحر أمور:
أ- المجيزون اجتهدوا فرأوا أن في النشرة السحرية علة التداوي فأباحوها لهذه العلة، والمانعون يرون أن فيها علة الأقوال والأفعال والاعتقادات الكفرية، فالذي دعاهم إلى المنع هذه العلة، ويقول الشيرازي في التبصرة: [77] "إذا كانت إحدى العلتين تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة، فالتي تقتضي الحظر أولى، ولأن الحظر أحوط؛ لأن في الإقدام على المحظور إثمًا، وليس في ترك المباح إثم"، فهذا هو الفيصل في أمور الاجتهاد، والحق الذي لا بد أن يتأمله المجتهد ولا يغفل عنه؛ لأنه موقع عن الله جلا جلاله.

ب- أن القاعدة التي تحكم المتناولات كافة، كالأدوية والأطعمة والأشربة والزينة والألبسة، تقول: "ما أبيح لصفته حرم لسببه" [78].

فالأدوية الأصل فيها الإباحة لاشتمالها على مصلحة التعالج والشفاء، وتحرم لأسباب؛ كأن يكون الدواء مغصوبًا، أو أن يكون مسروقًا، أو أن يكون الدواء خبيثًا أو محرمًا، كما نصت أحاديث الرسول على ذلك؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث. رواه الترمذي [صحيح الجامع]، والنشرة هذه لاشتمالها على السحر والكفر تكون من أخبث الخبائث التي يزينها الشيطان ويدعو لها، فالتداوي بها يحرم أيضًا لهذا السبب الذي أثبته النص.

ج- القياس الصحيح: القياس لا يكون مع وجود النصوص، وهناك نصوص كثيرة مبينة للمسألة، وتغني عن اللجوء للقياس، لكن المجيزون لا يرجعون لها؛ لأنهم يرون العامة منها خصصها العقل بمن قصد السحر للإضرار، والنص الخاص بالنشرة يرونه لا يحمل دلالة على حكمها، فأصبحت النشرة لديهم وكأنها في محل المسكوت عن حكمها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والقياس الصحيح من العدل؛ فإنه تسوية بين متماثلين وتفريق بين المختلفين.).

وفي كتاب التوحيد قال المصنف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك، هنا ثبوت ظاهر لحكم التولة ومتفق عليه.

قال الشارح - رحمه الله تعالى - الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: "قال الحافظ: التولة شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر. وكان من الشركِ لما يُرادُ به من دفعِ المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى".

ومن ضمن ما علق به الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- على التولة قال: "الدجالون يكتبون التمائم والتولات على طريقة العقيدة اليهودية، فيزعمون أن للحروف خدامًا يقومون بما يطلب منهم من الأعمال السحرية، ويتخذون أنواعًا من البخور والأدوات المخصوصة التي يوحي بها شياطينهم، وكل ذلك من الكفر العظيم".

وقال ابن الأَثـير: التِّوَلة، بكسر التاء وفتـح الواو، ما يُحَبِّب الـمرأَة إلـى زوجها من السِّحْر، وحكى ابن بري عن القزاز: التُّولة والتِّوَلة السِّحْر. قال ابن الأعرابـي: تالَ يَتُول إذا عالـج التِّوَلة وهي السِّحْر [79].

ومما لاشك فيه أن الوصول للقربة والألفة بين الزوجين اللذين هما لبنة المجتمع من الأمور التي يدعو لها ديننا الحنيف ويرغب فيها، ومن المنافع التي فيها خير عظيم، تعود على الأسرة أولا وعلى المجتمع ثانيًا، فالسحر هنا زالت عنه إرادة الأذية، بل على العكس أُرِيـد به جلب منفعة محضة ودفع مضرة التفكك والفرقة وابتغاء للأنس والطمأنينة -كما يظن- وهي منفعة قريبة لما يراه المجيزون في النشرة. فالزوجة من الخير لها أن تلجأ للوسائل التي تحبب زوجها فيها، لكن عندما يصل الأمر إلى العقيدة والإخلال بها.نقف!

فكان حكم التولة الشرك؛ لأن الوسيلة المستخدمة هي وسيلة كفرية بحد ذاتها، العلة هي وجود السحر لما فيه من الكفر والشرك والتعلق بغير الله، والنشرة هي كذلك؛ فهي إزالة وكشف الداء وحل السحر عن المسحور، ففيها جلب للمنفعة كما يظن، فالنشرة تُشبِهُ التولة للجامع الذي بينهما في كونِ السحر الكفري أداة لهما، وأيضًا ما عُمِدَ إليهما إلا لجلبِ المنافع ودفع المضار، فكلاهما طلب لأمر مشروع؛ النفع ورفع الأذى، بطريقة غير مشروعة محرمة هي السحر.

فلِمَ يثبتون الحكم في التولة وينفونه عن النشرة؟ مع وجود الأوصاف المشتركة بينهما من حيث الغرض والوسيلة والكيفية والعلة، ومع انتفاء المانع أو الناقض في هذا القياس!!

• استنباط العلة الصحيحة التي من أجلها حُرِّمَ الذهاب للساحر وسؤاله، أي العلة التي لا يزول المنع إلا بزوالها؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) [صحيح الجامع]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) [صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة].

فهنا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر من أتى الساحر وطلب السحر عمومًا، والمجيزون يثبتون ون بكفر من أتى الساحر لإضرار أحد الخلق، وهو كفر لا يخرج عن الملة في المشهور عن الإمام أحمد، لكن من قصدَ السحرة للتداوي وحل السحر فاستعان بهم على ذلك في حال الضرورة -كما يقولون- يرون أنه لا يدخل في الحكم، فينازعون في إثبات الحكم عليه؛ لأنه كما يرون هم أنه لم يذهب ليضر أحدًا بذلك، فلم يقصد أن يفرق بين المتحابين ولم يؤذ أحدًا، إذن.. ألا يلزم من قولهم هذا أن تكون علة المنع في الذهاب هي قصد الإضرار، فبزوالها يزول المنع.

والشرع والعقل يتفقان في عدم قبول أن هذه العلة هي التي قصدها الشارع؛ لأن أحكام الشرع كلها حق وعدل لا ظلم فيه، ولأن الحكم على الشخص بالكفر بالقرآن أمر عظيم، ليس بالهين أن يطلق على المسلم الموحد إلا إن كان بسبب قوي يستدعي ويوجب ذلك، بل إن الاستعانة بأهل وأرباب الكفر، وبأعمالهم ورقاهم وعزائمهم وطلاسمهم الشركية بحد ذاته هو السبب والعلة التي قصدها الشارع في النهي، فهي تتناسب مع حكم الكفر المنصوص.

والعلة الصحيحة عند الأصوليين لا بد لإثباتها من شروط منها أن تكون العلة مطردة في معلولاتها، فيخرج بهذا الشرط قصد الإضرار للخلق عن كونه علة المنع في إتيان الساحر بالاستقراء والتتبع لهذه العلة في أحكام الشرع؛ لأنها ليست مطردة إطلاقًا مع الحكم السابق الكفر.

فقصد إضرار أحد الخلق؛ سواء الإضرار الحسي أو المعنوي، ليس سببًا يتأتى معه الكفر أبدًا، بخلاف قصد إضرار النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن زوال قصد الإضرار عند الذهاب للساحر لا يجعل أبدًا من النشرة أمرًا مباحًا؛ لأنه بقي في النشرة السحرية ما يستدعي بقاء الحكم، فلا يتخلف عنها الحكم إلا إذا تخلف موجب الحكم، وهو فعل أو قول أو اعتقاد الكفر.

إن عند فك السحر بالسحر أمورًا توجب الكفر؛ كأن يعزم الساحر على الجن الموجود مع المسحور ليتركه، فيقسم بحق أبالسة الشياطين وملوك الجن بأن يخرج، أو يقوم باسترضائه عن طريق القرابين من ذبح وزار في طقوس غريبة شاذة، أو أن يقوم باستحضار شياطين لتبعد شياطين المسحور ويقدم لهم ما يشاءون من الأشياء التي ترضيهم، فيُتَقرب لهم بالذبح وإهانة المصحف بالنجاسات والزنا وشرب المسكرات، ويستخدمون لذلك طلاسم ورقى وتمائم موغلة في الكفر والشرك.

وتلك الرقى المنهي عنها هي التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم [80].

فالمعزم الذي يستعين بالجن، ذكره القاضي وأبو الخطاب في جملة السحرة قال: فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن، وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فذكرهما أصحابنا من السحرة الذين ذكرنا حكمهم. وسئل ابن سيرين عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، وأقرأ عليها القرآن، فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسًا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين.. وأما من يحل السحر؛ فإن كان بشيء من القرآن، أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به، فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد عنه، قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر؟ فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل لأبي عبدالله: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، ويعمل كذا، فنفض يده كالمنكر وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا [81].

فمتى ما كان الذهاب للساحر لفك السحر يترتب عليه قيام الساحر بأمر كفري من قول أو عمل أو اعتقاد، فالحكم هو كفر الذاهب، كما ثبت ذلك بالأدلة، وكما اتضح لنا من بيان العلة.

الأضرار المترتبة على الاستعانة بالساحر لفك السحر:
قال ابن تيمية: يكفي المسلم أن يعلم أن الله تعالى لم يحرم شيئًا إلا ومفسدته محضة أو غالبة، وأما ما كانت مصلحته محضة أو راجحة، فإن الله شرعه؛ إذ الرسل بعثت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والسحر قرن بالشرك؛ قال تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ï´¾ [النساء: 51 - 52].

وفي الذهاب للسحرة مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتلهم، ناهيك عن الإقرار للسحر دون الإنكار، وقد أمرنا أن نكفر به وهذا لا يجوز، فكيف إن كان يطلبه، فهذا تعاون على الإثم والعدوان، وهو محرم، والله يقول: ï´؟ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ï´¾ [المائدة: 2].

قال شيخ الإسلام: (من حضر إلى مكان فيه منكر لم يستطع تغييره لم يجز له الحضور)، وقال تعالى: ï´؟ فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ï´¾ [النساء: 140].

وقال العلماء: الرضى بالشيء رضى بما يتولد منه، والسحرة قد يكتبون كلام الله بالنجاسات دم أو غيره، وقد يقلبون حروف كلام الله عز وجل، وقد يقولون ما يرضي الشيطان، ويفعلون ما يرضيه من لواط أو زنا أو ذبح، فإذا فعلوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على أغراضهم.
رضاك ربي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 02:07 PM   #3
معلومات العضو
ღغندوره البيتღ
الصورة الرمزية رضاك ربي
وسام الالفيه 2  وسام الالفيه الاولى 
مجموع الاوسمة: 2 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 199
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 810
عدد الردود : 2146
مجموع المشاركات : 2,956
النقاط : 1293
قوة التقييم : 37
رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

الباب الثاني
( علاج السحر )
مشروعية التداوي في الإسلام:
إن التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك.

قال صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء".

وعنْ أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأصحَابُهُ كأنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمْ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاء الأعْرَابُ مِنْ هَاهُنَا وهاهنا، فقَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا؛ فَإنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَم»، رواه أبو داود والترمذي وأحمد.

وحتى الداء القاتل الذي اعترف حذاق الأطباء بأن لا دواء له، وأقروا بالعجز عن مداواته، فإن له دواء لكنه مجهول، بناء على ما جاء في حديث ابن مسعود من قوله: (وجهله من جهله).

وقد أخرج ابن ماجه من طريق أبي خزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله تعالى.

وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
1- أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
2- وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
3- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.

ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".

وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا [44].

العلاج المشروع للسحر:
قبل البداية في العلاج يجب على المسلم أن يحصن نفسه وأهله من شر شياطين الإنس والجن، وذلك بقراءة أذكار المساء والصباح وأذكار النوم، والمحافظة عليها، وأيضًا المحافظة على قراءة (قل هو الله أحد) والمعوذتين وآية الكرسي بعد كل صلاة، والإكثار من قول (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) وقول (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بها الحسن والحسين.

وقد جمع العلماء من الأذكار والدعوات التي يقولها العبد إذا أصبح وإذا أمسى وإذا نام وإذا خاف شيئًا وأمثال ذلك من الأسباب ما فيه بلاغ، فمن سلك مثل هذا السبيل فقد سلك سبيل أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن دخل في سبيل أهل الجبت والطاغوت الداخلة في الشرك فقد خسر الدنيا والآخرة، وبذلك ذم الله من ذمه من مبدلة أهل الكتاب إذ قال: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ [البقرة:101، 102] إلى قوله: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102] [45].

وأما ما ورد في الكتاب والسنة وكلام السلف عن علاج السحر بعد وقوعه والإصابة به فهو كما يلي:
أولا- اللجوء للرقية الشرعية:
أ- بالقرآن الكريم:
فالقرآن كله شفاء؛ قال تعالى: ﴿ قُلّ هُوَ لِلَّذينَ آمَنُوا هَدًى وَشِفَاءٌ ﴾ [فصلت: 44]، وقال سبحانه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ ﴾ [الإسراء: 82]، وهناك سور وآيات مخصوصة في علاج السحر؛ منها:
• قراءة سورة البقرة، وفي حديث مسلم: "اقرأوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة.

• سورة الفاتحة؛ فعن خَارِجَةَ بنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ عن عَمِّهِ: «أنَّهُ أتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأَسْلَمَ، ثُمَّ أقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بالْحَدِيدِ، فقال أهْلُهُ: إنَّا حُدِّثْنَا أنَّ صَاحِبَكُم هٰذَا قَدْ جَاء بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُم شَيْءٌ تُدَاوُونَهُ؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ، فأَعْطُونِي مِائَةَ شَاةٍ، فأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأَخْبَرْتُهُ، فقال: هَلْ إلاَّ هٰذَا؟ وَقال مُسَدَّدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: هَلْ قُلْتَ غَيْرَ هٰذَا؟ قُلْتُ: لاَ، قال: خُذْهَا؛ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقَيْةِ حَقّ»، قال: «فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثُمَّ تَفَلَ، فكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ. رواه أبو داود.

• وفي عون المعبود كتاب الطب قال: قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلعل طَبًّا أصابه ثم نشره بـ(قل أعوذ برب الناس) أي رقاه)، والطب هو السحر سمي بذلك تفاؤلا.

فأنفع ما يستعمل في إذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك، وهما المعوذتان، وفي الحديث (ولم يتعوذ المتعوذ بمثلهما)، وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشياطين [46].

• قال القرطبي: قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81] لم يضره كيد ساحر، ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر [47].

• قال ابن أبي حاتم: عن ليث - وهو ابن أبي سليم - قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى؛ تقرأ في إناء فيه ماء ثم تصب على رأس المسحور:
أ- ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يونس: 81 - 82].

ب- ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ [الأعراف: 118، 122].

ج- ﴿ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69] ا.هـ.

• وهناك آيات أخرى مجربة في فك السحر وإبطاله [48]:-
أ- قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57].

ب- قال تعالى: ﴿ قَالواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وابْعَثْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُل سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرَب الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 36-47].

ج- قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وشِفَآءٌ والَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [فصلت: 44]..

وآية الكرسي والمعوذتان وسورة الكافرون، وهذه الآيات مع التي قبلها في رقية المسحور بالإضافة إلى آيات الشفاء، وتكون الرقية بالنفث مباشرة على المسحور، أو بقراءتها على ماء نظيف ثم الاحتساء منه مع الاغتسال به في مكان طاهر، ويروى عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسًا أن يعوذ في الماء ثم يعالج به المريض، أو بقراءتها على زيت الحبة السوداء ودهن جسد المسحور به، وثبت في صحيح البخاري أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، والسام: الموت.

ب- بالأدعية والتعوذات النبوية العامة لكل داء:
• عن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ الله يُعَوِّذُ الْحَسَنَ والحُسَيْن؛ يَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ. وَيَقُولُ: هَكَذَا كانَ إبراهيمُ يُعَوِّذُ إِسْحَاقَ وإِسْمَاعِيلَ عليهم السلام»، سنن أبي داود.

• عن ابنِ عبّاسٍ قال: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعو عندَ الكرْب؛ يقول: لا إلهَ إلاّ اللَّهُ العظيمُ الحليم، لا إله إلاّ اللَّهُ ربُّ السماواتِ والأرض وربُّ العَرشِ العظيم»، صحيح البخاري.

• عن هِشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشةَ «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي؛ يقول: امسح البأس، ربَّ الناس، بيدكَ الشفاء، لا كاشفَ له إلا أنت»، رواه البخاري.

• عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَىٰ رَسُولِ اللّهِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَىٰ الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ. وَقُلْ: بِاسْمِ اللّهِ، ثَلاَثًا. وَقُلْ، سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ»، رواه مسلم.

• عن أبِي الدَّرْدَاءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَن اشْتَكَى مِنْكُم شَيْئًا أو اشْتَكَاهُ أخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا الله الَّذِي في السَّماء، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ في السَّمَاءِ وَالأرْضِ، كما رَحْمَتُكَ في السَّمَاء فاجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا أنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ أنْزِلْ رَحْمَةً مِن رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ فَيَبْرَأُ»، رواه أبو داود.

• عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الفَزَعِ كَلِمَاتٍ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأنْ يَحْضُرُونَ»، رواه أبو داود.

ثانيا:- الأدوية المباحة التي نصت عليها السنة:
• التصبح كل يوم بسبع تمرات من عجوة المدينة؛ فعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في عَجْوَةِ العالِيَةِ أَوَّلَ البُكْرَةِ على رِيقِ النّفسِ شفاءٌ مِنْ كُلِّ سِحْرٍ أَوْ سم»، رواه أحمد وأبو داود.

وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من اصطبح كل يوم بتمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل". وكون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر [49].

• استعمال الحجامة؛ أي استفراغ الدم من العضو الذي يصل إليه أذى السحر؛ فعنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: «إنْ كانَ فِي شَيْء مِمَّا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ خَيْرٌ فالْحِجَامَةُ»، رواه أبو داود. وروي أن الرسول احتجم بقرن لما طُب أي لما سُحِر.

قال ابن القيم في زاد المعاد:
"النوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر؛ فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نفع جدًا. وقد ذكر أبو عبيد في كتاب غريب الحديث له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب، قال أبو عبيد: معنى طب سحر".

• ذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر –النبق-فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات قل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله [50].

• قال ابن حجر: "وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيها ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله".

• ومن أنجح الأدوية أيضًا الوصول إلى مكان السحر بعد البحث عنه، واستخراجه لإبطاله بقراءة المعوذات عليه وآيات السحر، ثم كسره إن كان ودعًا أو صدفًا، أو إذابته إن كان (بودرة)، أو حرقه بعد القراءة عليه، وكما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل الله سبحانه وتعالى في ذلك فأرشده إليه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بسؤال الله تعالى مع الإلحاح في الدعاء بأن يكشف له مكان السحر، واعلم أن الله سميع قريب، ويجيب الدعاء إذا دعاه عبده بصدق وإخلاص، مع تمام المسكنة وكامل التوكل، واعلم أيضًا أن الله حيي كريم ويستحيي أن يرد يدي عبده صفرًا، فجد في المسألة وثق بالإجابة بإذن الله، فقد يمن الله على عبده بأن يريه رؤيا تدله على مكان السحر والرؤيا جزء من أجزاء النبوة؛ فعن أَنس بن مالكٍ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «الرُّؤيا الحسنةُ منَ الرجُلِ الصالح جُزءٌ من ستةٍ وأَربعينَ جزءًا منَ النبَّوة»، رواه البخاري.

أو أن يقدر الله بأن يتكلم الجني الموكل بالسحر فيخبر عن مكان السحر.

• قال ابن حجر: (أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل، ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به)، أي يأخذ من أوراق أشجار الشوك التي عن يمينه وعن شماله في البقعة التي هو فيها.

• وورد في كتب العلم علاج خاص للمربوط عن زوجته؛ يقول ابن حجر: (المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسًا ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج نارًا في تلك الحزمة حتى إذا حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى) [51]، فالأبخرة المتصاعدة من الفأس بعد تسخينه على النار تفيد المربوط عند تعريض الذكر لهذه الأبخرة فيخرج الجني بإذن الله ويبطل السحر.

• أما السحر المطعوم أو المشروب فإن علاجه باستسهال البطن للمسحور مع أخذ الرقية الشرعية.

الباب الثالث
( فك السحر بالسحر )
القول الراجح في مسألة فك السحر عن المسحور بالسحر:
لا يجوز فك السحر بالسحر؛ لعموم أدلة التحريم من الكتاب والسنة، وهي عامة في حال التداوي، أو النشرة، أو قصد الأذية، ومن فرق بينها فقد فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم، وهذا لا يجوز بدون مسوغ، والقاعدة عند العلماء أن ما حرم فعله حرم طلبه.

أولا:عموم أدلة التحريم من الكتاب:
يقول تعالى في محكم كتابه: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ [البقرة: 102]. هم يعتقدون أنه نفع لما يتعجلون به من بلوغ الغرض، وحقيقته مضرة؛ لما فيه من عظيم سوء العاقبة، وحقيقة الضرر عند أهل السنة: كل ألم لا نفع يوازيه، وحقيقة النفع: كل لذة لا يعقبها عقاب ولا تلحق فيه ندامة، والضرر وعدم المنفعة في السحر متحققة [52].

وقال تعالى: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102].

وقال تعالى: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157].

الشاهد (ويحرم عليهم الخبائث)، والسحر لما يحويه من الكفر هو أولى بالتحريم، وهو أعلى درجات الخبائث لما فيه من الكفر والشرك.

ثانيا: نصوص السنة:
• قوله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله ما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنـات"، رواه البخاري ومسلم.

يقول شارح كتاب التوحيد: "قوله اجتنبوا أي ابعدوا، وهو أبلغ من قوله دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ".

• عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان)، رواه الإمام أحمد وأبو داود.

و(النشرة): هي ضرب من العلاج والرقية، يُعالج به من يظن أن به مسًا من الجن، سُميت نشرة؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء: أي يُكشف ويُزال.

قال ابن الجوزي: النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر، وفي كلامه إشارة منه أنه لا يرى جوازها لما فيها من السحر. وقد سئل الحسن عن النشرة فقال: لا يحل السحر إلا ساحر، والساحر كافر، وحكمه القتل، ولا يستعان به، وقال الإمام أحمد: ابن مسعود يكره هذا كله، أي الرقى كلها.

قال ابن القيم رحمه الله: "النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل السحر بمثله والذي هو من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة فهذا جائز" انتهى كلام ابن القيم.

والشاهد على أن الرقية بالقرآن تسمى نشرة ما جاء في الحديث: "..فنشره بـ(قل أعوذ برب الناس)" أي رقاه.

وفي عون المعبود قال: "قوله: (هو من عمل الشيطان): أي من النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون فيه، وأما ما كان من الآيات القرآنية والأسماء والصفات الربانية والدعوات المأثورة النبوية فلا بأس به"..

• وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، رواه أبو يعلى من حديث ابن مسعود موقوفًا، ورواه البزار، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

• وعن عمران بن الحصين مرفوعًا: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له...)، رواه البزار، وهو حديث صحيح في صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة.

• حكاية الصحابية زوجة عبدالله بن مسعود في الأثر المشهور، وملخصها أنها كانت عندها راقية ترقي بالسحر بخيط تربطه في كتفها، فدخل ابن مسعود فاختبأت الساحرة تحت السرير، فرأى ابن مسعود الخيط في كتف امرأته، فعلم أنه سحر فنزع الخيط وقال: (إن ابن أم عبد وآله أغنياء عن الشرك).

• وعنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عنْ أبي الدَّرْدَاءِ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله أنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»، سنن أبي داود كتاب الطب، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة بلفظ: (إن الله تعالى خلق الداء والدواء، فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ).

• وفي رواية: سئل ابن مسعود عن التداوي بشيء من المحرمات فأجاب: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، علقه البخاري في صحيحه، وفي الحديث: رضِيتُ لأُمَّتي ما رضيَ لها ابنُ أُمِّ عَبْدٍ، لمعرفته بشفقته علـيهم ونصيحته لهم، وابنُ أُم عَبْدٍ: هو عبدالله بن مسعود.

• وفي الفتح قال الحافظ.. "ولأبي داود مرفوعًا من حديث أم سلمة قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها).

• قالت أم سلمة -رضي الله عنها-: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي، فقال: ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، وفي رواية: (إن الله لم يجعل في حرام شفاء)، انظر السلسلة الصحيحة.

• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث، سنن أبي داود، والترمذي كتاب الطب، ورواه أحمد، وقيل: هو النجس أو الحرام أو ما ينفر عنه الطبع [53].

ثالثا: بعض أقوال أهل العلم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال؛ لأن ذلك محرم في كل حال، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه، فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه، ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر) [54].

قال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: (قال بعض الحنابلة: يجوز الحل بسحر ضرورة، والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح، وحقيقته أنه يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب من ذبح شيء أو السجود له أو غير ذلك، فإذا فعل ذلك ساعد الشيطان، وجاء إلى إخوانه الشياطين الذين عملوا ذلك العمل، فيبطل عمله عن المسحور، أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة؟ مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله، فالرسول صلى الله عليه وسلم منع وسد الباب، ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور) [55].

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة: أن استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين، وآية الكرسي، ونحو ذلك مما تجوز الرقية به، فلا مانع من ذلك، وإن كان بسحر، أو ألفاظ أعجمية، أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع، وهذا واضح، وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى) [56].

وقال الشيخ حافظ حكمي:
وحَلُّه بالوحي نصًّا يُشرعُ ♦♦♦ أما بسحر مثله فيُمنعُ

(وحله) يعني حل السحر عن المسحور (بـ) الرقى والتعاويذ والأدعية من (الوحي) الكتاب والسنة (نصًّا) أي بالنص (يشرع) كما رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بالمعوذتين، وكما يشمل ذلك أحاديث الرقى.

وقال رحمه الله: (أما حل السحر عن المسحور بسحر مثله فيحرم؛ فإنه معاونة للساحر، وإقرار له على عمله، وتقرب إلى الشيطان بأنواع القرب ليبطل عمله عن المسحور، ولهذا قال الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنها: هي من عمل الشيطان. ولهذا ترى كثيرًا من السحرة الفجرة في الأزمان التي لا سيف فيها يردعهم يتعمد سحر الناس ممن يحبه أو يبغضه، ليضطره بذلك إلى سؤاله حله، ليتوصل بذلك إلى أموال الناس بالباطل، فيستحوذ على أموالهم ودينهم، نسأل الله تعالى العافية) [57].

قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى:
"فك السحر بالسحر لا يجوز، وإتيان الكهان أو إحضارهم عند المسحور لفك ما به من سحر لا يجوز، وتعليق الحجب والتمائم لذلك لا يجوز، ولو ترتب على ما ذكر فك السحر أحيانًا، ولكن يرقى المسحور بتلاوة القرآن عليه؛ كسورة الفاتحة، وآية الكرسي، وقل هو الله أحد، والمعوذتين ونحوها من سور القرآن وآياته، وكذلك يرقي بالأدعية الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)".

شبه وحجج مجيزي فك السحر بالسحر، والرد عليها على ضوء الكتاب والسنة وقواعد الفقه وأصوله:
أما حجج مجيزي فك السحر بالسحر، فالغالب أنه لا دليل لهم عليها، وما هي إلا تقديم للرأي على النص، وتعظيم لكلام الأشياخ أو قواعد تنتفي مناسباتها في هذه المسألة.

وهذه استدلالاتهم وحججهم وما توصل إليه البحثُ في حقها:
أولًا: يرد المجيزون قـول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان) عن كونه يدل على نهي النبي عن النشرة، فيرون أن قولـه: (هي من عمل الشيطان) إشارة لأصلها ولا يـرون أن فيه أي أمر بالنهي عنها، وذكر الحافظ ابن حجر مثل ذلك في فتح الباري [58].

قال مصنف كتاب التوحيد شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى– في باب النشرة: عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان)، رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله.

ويقول أهل العلم هو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وقال أهل العلم: هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وعن المداواة المعروفة. [59].

قال الشارح الشيخ حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى: قوله: "سئل عن النشرة": الألف واللام في (النشرة) للعهد أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها هي من عمل الشيطان".

ونرد عليهم من قواعد الأصول؛ فإن الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام إما أن تأتي بصيغة الأمر أو بصيغة خبر يراد به الأمر فتستدعي الفعل، وإما أن تأتي بصيغة النهي أو بصيغة خبر يراد به النهي فتستدعي الترك[60]، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس في حديثه لفظ صريح بأمر أو نهي كقول: اجتنبوا أو دعوا.. وغيره من الألفاظ التصريحية. لكنه استعاض عنه بخبر جاء عوضًا عن التصريح ودل عليه.

قال: (هي من عمل الشيطان). وفي الشرع هذا وصف خاص للمحرمات دون المباحات، وهو علة تستدعي وتدل على النهي، وخبر ويراد به الترك في الأصل.

ودليله أن أهل العلم يستنبطون من وصف أي أمر ما في النصوص بأنه من عمل الشيطان، أن الشارع يريد بذلك النهي عنه:
مثاله قول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ [المائدة: 90].

استفاد أهل العلم التحريم في هذه الآية من وجوه؛ منها قوله تعالى: ﴿ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ [المائدة: 90].

يقول القرافي: "قال تعالى: ﴿ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ [المائدة: 90] فإضافته إلى الشيطان تفيد التحريم في عرف الشرع" ا.هـ [61].

وقال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: "قال تعالى: (من عمل الشيطان)؛ لأن مهما كان من عمل الشيطان حرم تناوله" [62].

يقول الطيبي: قوله تعالى﴿ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ [المائدة: 90]، وما هو من عمله حرام. [63].


فقال تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ [المائدة: 90] والحكم المقرون بالفاء بعيد وصف يشعر بعليته كما في قواعد الأصول، فالأمور المذكورة في الآية قرنت بعلة واحدة مشتركة فيها اقتضت النهي عن الجميع، فالعلة المجتمعة هي في قوله تعالى: "رجس من عمل الشيطان".


وبدوران العلة يثبت حكم النهي في النشرة؛ لوجود العلة التي اقتضت تحريم كل ما ذكر في الآية السابقة. فالأمر الذي يوصف بعمل الشيطان أو بالرجس يكون حكمه النهي دائمًا؛ سواء نهي كراهة أو نهي تحريم بحسب الحال.

وأيضًا من الأمثلة قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، يقول ابن جرير: "عن ابن عبـاس: وَلا يَضْرِبنَ بأرْجُلِهِنَّ، نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان". فالسبب الذي كان من دواعي النهي ذكره لنا ابن عباس، وقول الصحابي حجه.. إذن "عمل الشيطان" كما يظهر هي علة استفاد منها العلماء النهي والترك...

والرسول صلى الله عليه وسلم ينهانا في أحاديثه عن أمور ويصرح بالسبب: أنها من عمل الشيطان.

وفي صحيح مسلم وعند الإمام أحمد رحمهما الله عن أَبي هريرة رضي الله عنه [64] قال: قال رسول الله: «المؤمن القوي خير وأحب إِلى الله من المؤمنِ الضعيف، وفِي كل خير، احرِص علَى ما ينفعك، واستعن بِالله، ولا تعجز، وإِن أصابك شيء فَلا تقل: لو أنِي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدر الله وما شاء فَعل، فإِن لو تفتح عمل الشيطَانِ».

وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عَنْ أنس رضي الله عنه [65] قَال: (لما فتح رسول اللّه خيبر، أصبنا حمرًا خارِجًا من القرية، فطَبخنا منها، فنادى منادي رسولِ الله: أَلا إِن الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنها رِجس من عملِ الشيطَانِ، فأكفئت القدور بِما فيها، وإنها لتفور بِما فيها).

السبب الذي دعا للنهي هو كونها من عمل الشيطان، وصرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحري بنا أن ننتهي بنهيه ونحرص على اجتناب كل ما كان كذلك، وورد في الأصل تحريمه وتواترت الأدلة على ذلك.

وكثير من المحرمات والكبائر في الشرع يطلق عليها هذه التسمية: "من عمل الشيطان"، ولم يسبق أن سميت بها المباحات إطلاقًا.

قال تعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ﴾ [القصص: 15، 16]، موسى عليه السلام قتل القبطي فندم وقال: هذا من عمل الشيطان - أي القتل العدوان المحرم - واستغفر الله وتاب إليه. ويقول أهل العلم إن التوبة تكون من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق.

وبنو إسرائيل لما أراد السامري إغواءهم وصدهم عن توحيد الله أتاهم بالعجل ليعبدوه، يقول ابن كثير: "قالت فرقة من بني إسرائيل: هذا من عمل الشيطان - أي الشرك - وليس بربنا لا نؤمن به ولا نصدق".

وفي فتح الباري قال الحافظ: وثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر ومن حديث جابر عند مسلم.

فالأمثلة الشرعية السابقة هي برهان على بطلان حجتهم ودليل على دحض شبهتهم وردها عليهم. وهي إثبات لعكس ما يقولون. فمن الخطأ أن يقال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة: "هي من عمل الشيطان" لا يحمل دلالة على النهي عن النشرة، مع أنها قرنت فيه بهذه الصفة المقتضية للنهي..!! فـ"منهج الشريعة" هو الذي أكد استدعاء النهي؛ لأن عمل الشيطان عمل حقير خبيث يحمل عليه هو؛ فيزين القبيح، ويغوي الخلق به، ويضلل به العباد عن الحق وعن الصراط السوي، وعمله من الأعمال التي تسخط الله ولا ترضيه، وليست هي من الأعمال التي يرتضيها الله لصفوة عباده المسلمين. قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 168]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ [فاطر: 6]، يقول المفسرون: أي لا تتبعوا طرائقه ومسالكه التي أضل بها أتباعه.

ثم إن النهي يحمل على التحريم لا الكراهة، وليس في النص إشارة كافية للحمل سواء على التحريم أو الكراهة، ولكن أدلة السحر العامة في حكمه وحكم فاعله وحكم طالبه ترجح حمل هذا النهي على التحريم لورود الزجر والعقاب وترتب الإثم الكبير على ذلك، ومنها. قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 102]، أي من استبدل دينه بالسحر فإنه لا نصيب له، وعد الرسول صلى الله عليه وسلم السحر عامة من الموبقات المهلكات في الحديث الذي أخرجه البخاري، وقال: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له).

والأدلة في هذا المعنى كثيرة، ويستفاد منها التحريم لا الكراهة، والنصوص القرآنية تبين أن السحر كفر والساحر كافر، وتنهى عن طلب السحر واستبداله بالدين؛ فالنصوص عامة أو قد تكون مجملة، وإن كانت مجملة فهي تحتاج لما يبينها، وفي السنة ما يبينها؛ فالنشرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: (هي من عمل الشيطان)، وبين الرسول أن إتيان الساحر كفر بما أنزل الله وهو القرآن، وهذا عام؛ سواء كان الإتيان لتعلم السحر، أو كان لسؤال الساحر عن المغيبات، أو لعمل السحر للآخرين، أو كان للنشرة، كما دلت النصوص، والتفريق بين ما جمع بينه النص بغير قرينة صحيحة لا يجوز.

ثم إن الرسول صلى اله عليه وسلم لم يصدر هنا حكمًا جديدًا أو وصفًا خاصًّا بالنشرة؛ لأن السحر أخبر الله عنه أنه من عمل الشيطان بدلالة قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ [البقرة: 102]، قال ابن باز رحمه الله: "هنا في هذه الآية تحذير من تعلم السحر وتعليمه؛ لأنه من عمل الشيطان، َولأنه كفر ينافي الإيمان" ا.هـ.

فالذي يخلص إليه بعد النظر في الأدلة والقرائن، وبعد التتبع لهذه العبارة في أحكام القرآن والسنة، بيان أن وصف النشرة بأنها من عمل الشيطان كان كافيًا لنعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد فيها التحريم؛ لأنه ألصقها بوصفٍ مقتضٍ للنهي في الشرع دائمًا، ولا يدل على الإباحة... فما زعموه مغاير لمقتضى الكتاب والسنة.

يقول بعض المجيزين: [66] "أخذ البعض يستدلون بما لا دليل فيه، ويخلطون بين الساحر والكاهن، ويستدلون بقوله: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، والكاهن والعراف هما اللذان يخبران بالغيب المستقبل الذي لا يعرفه إلا الله، ولهذا فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عقد بابًا فيما جاء في الكهان ونحوهم، ثم عقد بابًا آخر فقال: "باب ما جاء في النشرة"، مما يدل على التفريق".

قال الإمام أحمد: "العرافة طرف من السحر، والساحر أخبث؛ لأن السحر شعبة من الكفر. والساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان أمرهما" ا.هـ [67]، والكاهن هو من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل [68]. وما يقوم به العراف والكاهن من ادعاء علم الغيب يُعدُ من السحر بدلالة أن التنجيم ادعاء لعلم الغيب ودجل وكذب، وعده الرسول أيضًا من السحر؛ فعن العباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود وإسناده صحيح،. فكل من ادعى علم الغيب فهو داخل في مسمى الساحر كما ثبت بالنص،،،، وكل حكم يلحق بالكاهن والعراف فالساحر أولى به لأن الساحر كاهن وزيادة. فزيادة على ادعائه لعلم الغيب هو يعقد وينفث.

ثم إن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- صحح الحديث برواية أخرى: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، وحديث آخر على هذا المعنى: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له)، فيبطل احتجاجهم من غير ريب ولا شك.

وقال الشيخ حفظه الله أيضًا: "الذين يأمرون الناس بالاقتصار على الرقية يخالفون ما فعله من استخراج السحر وحله".

إن الرسول صلى الله عليه وسلم استخرجه بالوحي، ولم يستخرجه بالسحر والشعوذة، وحاشاه من ذلك، وإن من أنجح الأدوية الوصول إلى مكان السحر وإتلافه وإبطاله، لكن لا يباح إن كان ذلك بالسحر الذي حرمه الله في كتابه وعلى لسان نبيه، وعده من الموبقات المهلكة لما فيه من الأمور الموغلة في الكفر والشرك..

قال الشيخ أيضًا: "يُستدلُ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالحرام. فإن حل السحر ليس من تعاطي الأدوية المحرمة المأكولة والمشروبة، فالحديث هو في التداوي بأكل الطعام المحرم أو شرب ما هو محرم؛ كالخمر ولو على سبيل التداوي، أما السحر فهو بحل عقد وإتلاف ما وضع فيه السحر واستخراجه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم".

إن لفظ التداوي الوارد في الحديث الشريف لفظ عام لا يسوغ تخصيصه بالدواء المأكول والمشروب؛ لأن المفهوم الظاهر للحديث هو عموم الدواء، والأدوية متنوعة الهيئة والأساليب ليست فقط مأكولة أو مشروبه؛ فمنها ما هو على هيئة البخور، ومنها ما يكون عن طريق الرقى أو الحجامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِه الْحِجَامَة)، رواه الترمذي، أو الكي أو التدليك أو الاستفراغ، أو حرق الحصير كما ثبت ذلك بفعل فاطمة رضي الله عنها، أو الحمية أو الاغتسال بالسدر وغيره من الأعشاب، وكذلك حل العقد وإتلافها فهي من الأساليب الناجحة في دواء المسحور.

ثم إنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن حل عقد وإتلاف ما وضع فيه السحر واستخراجه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو من أسباب الشفاء وإزالة البأس. والرسول صلى الله عليه وسلم قيد أسباب الشفاء فقال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، أخرجه البخاري في صحيحه. فطلب الشفاء عن طريق السحر محرم؛ لأن السحر محرم في ذاته، ولأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في محرم شفاء، وقال الله تعالى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [سورة الأعراف: 157]، وهذا عام في تحريم كل ما هو خبيث، ويشمل التداوي بالسحر.

ثانيا: يتذرعون بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم النشرة، وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَكثَ النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يُخيَّلُ إليه أنه يأتي أهلَه ولا يأتي. قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني في أمر استفتيته فيه؛ أتاني رجُلان فجلسَ أحدُهما عندَ رجلَيَّ والآخرُ عندَ رأسي، فقال الذي عندَ رِجليَّ للذي عندَ رأسي: ما بالُ الرجُل؟ قال: مَطبوب -يعني مسحورًا- قال: ومَن طبَّه؟ قال: لَبيدُ بنُ أعصَم قال: وفيمَ؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذَكر في مشطٍ ومُشاطة تحتَ رَعوفةٍ في بئرِ ذَروانَ. فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذهِ البئرُ التي أُرِيتها، كأَنَّ رُؤوس نخلِها رؤوس الشياطين، وكأنَّ ماءَها نقاعةُ الحنّاء. فأمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم فأُخرجَ. قالت عائشة: فقلتُ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلا، تَعني تَنشرْتَ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أمّا الله فقد شفاني، وأما أَنا فأكرَهُ أن أثيرَ على الناسِ شرًّا. قالت: ولَبِيدُ بن أعصَم رجل من بني زُرَيق، حَليفٌ ليهود».

يقول الشعبي: إن في ذلك دلالة على جواز النشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإنكار على عائشة، وهذا دليل على الجواز.

ويؤخذ عليهم في استدلالهم هذا مأخذان:
أولا: أن من الأصول المستقرة عند الأصوليين إذا اختلفت الروايات فإن الجمع بينها أولى، وحملها جميعها على معنى واحد متوافق أولى، والحديث هذا أتى بروايات متعددة ظاهرها الاختلاف حول سؤال عائشة؛ فأتى سؤالها بلفظ: أفلا أحرقته؟ في صحيح مسلم، وعند أحمد بلفظ: أفأخرجته أو استخرجته؟ ولفظ: أفلا؟ أي تنشرت في البخاري، ومدار الحديث على هشام بن عروة، يقول ابن بطال: إن الاعتبار يعطى لسفيان الذي ورد في روايته أن عائشة سألت عن النشرة، فإن الزيادة منه مقبولة؛ لأنه أقواهم في الضبط.

ويقول ابن حجر في فتح الباري: "إن سفيان عندما قال: أفلا؟ أي تنشرت، كأنه لم يستحضر اللفظة فذكره بالمعنى، وظاهر هذه اللفظة أنه من النشرة، ويحتمل أن يكون من النشر؛ بمعنى الإخراج فتوافق من رواه بلفظ: (فهلا أخرجته) أي أخرجت ما حواه الجف. ولأن النشر يأتي بمعنى الإخراج، فالأولى أن تحمل الروايات على معنى واحد يعبر عن هذه الألفاظ المتعددة؛ وهو أن سؤالها كان عن إخراج ما احتواه الجف من السحر وإظهاره للناس، فهناك إخراجان أحدهما مثبت والآخر منفي؛ الأول إخراجه من البئر، وهو المثبت؛ ففي الحديث: فأمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم فأُخرجَ، والثاني المنفي؛ وهو إخراج ما حواه الجف من السحر وإظهاره للناس، وهو الذي سألت عنه عائشة رضي الله عنها.

وان قيل: إن الحمل على هذا المعنى لا يصح لأن بعض الروايات جاء فيها إشعار باستكشاف ما حواه الجف فوجدوا وترًا فيه عقد وانحلت عند قراءة المعوذتين، فهذه الروايات غير ثابتة، قال الحافظ: [69] "فلو كان ثابتًا لقدح في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كل منهما من ضعف".

ثم إن سؤال عائشة من الصعب أن يحمل على معنى: لو أنك ذهبت للسحرة لفك سحرك؛ إذ كيف تشير عليه عائشة رضي الله عنها بطلب العون من السحرة واللجوء لهم، وهي تدرك قول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 102]، وتدرك وتعي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها السحر، ولا تجهل الكفر الذي يقوم به الساحر، فهل يعقل أن تشير على رسول هذه الأمة أن يلجأ إلى ساحر وهو الذي ينهى عنه وعن إتيانه؟

فالأولى حمل النشرة التي وردت في حديث سفيان على الإخراج؛ للتوفيق بين الأدلة وهذا ممكن ولله الحمد.

وثانيا: حتى وإن سلمنا أن سؤال عائشة كان عن الذهاب للسحرة، وثبت إقرار النبي للنشرة، فهذا أيضًا لا يرجح الجواز؛ لأن ذلك فيه تعارض بين النصوص مع بعضها، ولا يمكن الجمع والتوفيق بينها؛ وهي حديث عائشة هذا الذي برواية سفيان وحديث جابر الذي رواه أحمد وأبو داود، فعن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن النشرة قال: (هي من عمل الشيطان) وكل منهما دليل خاص.. فعلينا الترجيح بينهما، ومن قواعد الترجيح:
1- أن الفعل لا يقدم على القول؛ ويقول الأصوليون من باب أولى أن لا يقدم الإقرار على القول، فيرجح بهذا حديث جابر لأنه قولي فيقدم بذلك.

2- وأيضًا من قواعد الترجيح أخذ ما كان العمل به أحوط، وما لا يتعارض مع ما شهد به القرآن والسنة والإجماع، والذي لا يتعارض أيضًا مع ما عمل به الخلفاء؛ ففي البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، فلو كان في إبقائهم مصلحة ترجى أو خير يبتغى لما أمر بقتلهم عمر رضي الله عنه!!! فيرجح بهذا حديث جابر لأنه أحوط وأسلم ولا يخالف النصوص، بل جاء موافقًا للقرآن وسنة النبي وسنة أصحابه الأخيار من بعده.

3- وأيضًا من قواعد الترجيح إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم والآخر يقتضي الإباحة قدم التحريم في الأصح، قال الأئمة: وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم، وذلك أولى من عكسه. وأورده جماعة حديثًا، وروي موقوفًا على ابن مسعود فيرجح بهذا حديث جابر لأنه نص على النهي.

ففِعله وإقراره صلى الله عليه وسلم إن عارض قوله ظاهرًا، فإما أن يكون ذلك خاصًّا به أو لأسباب وحكمة لا نعلمها بسب القصور في الذهن لدينا. فيبقى حكم النهي كما هو لا يزول لهذه الأسباب التي قررها أهل العلم.

ثالثا: يستدل المجيزون بما رواه البخاري عن قتادة قال: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.

وهذا من ابن المسيَّب يُحمل على نوع من النشرة لا يُعلم أنه سحر؛ لأن سؤال قتادة في النشرة عن المسحور، وكان جواب ابن المسيب لا بأس -أي بالنشر- لأنهم يريدون الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. فدل على أنه أراد الرقية الشرعية أو النشرة المباحة الخالية من الشرك؛ لأنها منفعة لا تلحقها مضرة لا دنيوية أو أخروية، والنبي لم يأذن بفك السحر إلا بالرقية الشرعية والأدوية المباحة؛ كما في الحديث: فلعل طبا أصابه، ثم نشره بـ(قل أعوذ برب الناس)، أي رقاه، وطلب من الصحابة الكرام أن يعرضوا رقاهم عليه فقال: اعرضوا علي رقاكم؛ لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا.

وأما حمل كلام ابن المسيب على جواز النشر عن المسحور بالسحر فلا يصح، وإن صح عنه ذلك فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لأنه قول مخالف للنصوص العامة والخاصة، والسحر عرف منذ القدم وعرفته العرب، وكان يستخدم على الوجهين: في الشر والضرر، وفي النشر وحل السحر عن المسحور، وبعد الإسلام نزلت آيات السحر في ذمه والنهي عنه، آيات عامة بدون تخصيص، وكذلك أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم تأمر باجتنابه وتبين كفر طالِـبِه والخطاب فيها عام، فالنهي يشمل الوجهين.

يقول ابن قدامة في روضة الناظر وجنة المناظر: "إجماع الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم من أهل اللغة، بأجمعهم أجروا ألفاظَ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل على تخصيصه دليل، فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم، والإجماع حجة، فالأصل استصحاب عموم الدليل حتى يرد المخصص".

والعموم لا يحمل على غيره إلا بقرينة. ولا توجد قرينة تنقله للخصوص، فأدلة السحر القرآنية والحديثية، أدلة تشتمل على ألفاظ وصيغ تعبر عن العموم، وهي معروفة ومدونة في كتب العلم، فإن وردت في النصوص كان دليلا عامًّا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).

فيه من صيغ العموم "من" للعاقل، و"ما" فيما لا يعقل، أي عموم الإتيان للساحر والاستعانة به وقصد سحره يترتب عليه الكفر، بأي غاية كانت، وتصديقه بأي شيء قاله دون تخصيص أو استثناء، فهذا هو المفهوم الظاهر للحديث، فيبقى المعنى والحكم كما هو لانتفاء الناسخ أو المخصص أو الإجماع على خلاف العموم.

فلم يخصصون الدليل؟
وقال أيضًا صلوات ربي وسلامه عليه: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له)، فيه (من) وهي من ألفاظ العموم؛ ففيه كفر من تطلب عمل السحر، ولا شك أن الشخص المسحور الذي ينشر عنه بالسحر يدخل في هذا العموم، والسحر هنا لفظ عام يشمل الوجهين.

وقال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله/ والسحر..... الخ)، والسحر اسم جنس محلى بـ(ال) التعريف فيوجب العموم، أي يشمل سِـحرًا قُــصِد للشـرِِ والأذية أو التفريق أو للنشر عن المسحور لما فيه من الأمور الكفرية، فالأمر عام بالاجتناب، والأصل في الأوامر الحتم، يقول شارح كتاب التوحيد: "قوله: اجتنبوا أي ابعدوا، وهو أبلغ من قوله دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ"، وغيره من الأدلة.

وهكذا الأدلة جميعها، فالناظر إليها يجدها أدلة عامة. فليست هي خاصة لمن قصد السحر لإرادة الإضرار.

والمخصصات هي: النص، والعقل، والحس، والمفهوم، والإقرار، والفعل، والإجماع، ولا أحد يستطيع أن يثبت شيئًا منها.
فالأولى حمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا يُعلم أنه سحر.

رابعا: يقولون حملَنا على الإباحة الضرورةُ التي تباح بها المحرمات
استنباطًا من قول الله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 119].
فهذا احتجاج فاسد لا اعتبار له؛ لأن علماء الأصول وضعوا لهذه القاعدة شروطًا تضبطها وتحكمها، فلا بد من تحققها واستيفائها أولا، ومن هذه الشروط -بل هو أولها- أن يتعين المحظور طريقًا لدفع الضرورة، أي انتفاء البديل عدا الأخذ بالمحظور، والمعلوم أن البدائل موجودة وطرق علاج السحر كثيرة، كما تبين سابقًا، فلا يرى إذن ما يسوغ فعل المحظور.

• وفي بيان للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن علاج السحر، جاء فيه:
(.. ولا يصح القول بجواز حل السحر بسحر مثله بناء على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات؛ لأن من شرط هذه القاعدة أن يكون المحظور أقل من الضرورة، كما قرره علماء الأصول، وحيث إن السحر كفر وشرك، فهو أعظم ضررًا؛ بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك)، أخرجه مسلم، والسحر يمكن علاجه بالأسباب المشروعة، فلا اضطرار لعلاجه بما هو كفر وشرك..)ا.هـ.

ثم إن التداوي لا يعد ضرورة، ولا تستحل به المحرمات، والدليل على ذلك ما قاله ابن تيمية في الرد على من أباح التداوي بالمحرمات؛ قال: "أما إباحة المحرمات للضرورة فحق؛ وليس التداوي بضرورة لوجوه:
أحدها: أن أكثر المرضى يشفون بلا تداو، ويشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض، وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة قلب وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة ظاهرة وباطنة، روحانية وجسدية.

وثانيها: أن التداوي غير واجب، ومن نازع فيه خَصَمتْه السنةُ في المرأة السوداء التي خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الصبر على البلاء ودخول الجنة، وبين الدعاء بالعافية، فاختارت البلاء والجنة. ولو كان رفع المرض واجبًا لم يكن للتخير موضع، وخَصَمَه حالُ أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين لم يتعاطوا الأسباب الدافعة له؛ مثل أيوب عليه السلام وغيره، وكذلك السلف الصالح.

ثالثها: أن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض، إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد.

رابعها: أن المرض يكون له أدوية شتى، ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو دواء، والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت، ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم كما جاء في الحديث المروي: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" [70].

ثم قال في موضع آخر -رحمه الله-: (والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال).

خامسا: احتجاجهم بالقاعدة (الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع)؛ فالمجتهد الضال عندما يخالف عموم النصوص الصريحة من غير مسوغ شرعي من أجل مصلحة يتوهمها ليس له عليها من الله برهان فقد وقع في الخطأ العظيم؛ لأنه تحليل للحرام وتحريم للحلال، وذلك دليل على ضحالة علمه وجرأته على دين الله.

فإن هذه القاعدة ليست على الإطلاق، بل قُيدتْ بقيد، يقول الفقهاء: إن الحكم على المضار والمنافع، يكون بأدلة السمع لا بأدلة العقل، خلافًا للمعتزلة [71]؛ لأن المصالح والمنافع نسبية يختلف اعتبارها من مجتهد لآخر، فاحتاجت لشرع من الإله يضبطها.

فالضابط هو قول الشارع، والله عز وجل قال في السحر الذي يزعم المجيزون منفعته ويحتجون لإثبات إذن التداوي به: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ [البقرة: 102]، يقول أهل العلم: نفى الله أن يكون في السحر منفعة بأي وجه من الوجوه، فإنه ضرر محض خالص لا نفع فيه إطلاقا؛ لأن الفعل المضارع بعد النفي يدل على العموم كما حكاه بعض العلماء، فالمحرمات التي فيها شيء من النفع وفيها ضرر أكبر تحرم للضرر العظيم الذي فيها، فكيف بالذي كله ضرر؟ فإنه يحرم من باب أولى. والخمر والميسر أخبر الله أن فيهما منفعة، فالله لم ينفِ منافعهما مع رجحان إثمهما فلذلك حرما، وحرمت عموم الخبائث وكل نجس، ولكن أجيز التداوي بأبوال الإبل بالنص مع أنها مستقذرة لثبوت المنفعة الراجحة بها.

روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا: (إن في أبوال الإبل شفاء لذربة بطونهم) [72].

لكن في السحر الأمر يختلف لنفي الشارع المنفعة مطلقًا؛ لأن الكفر لا توجد فيه منفعة، بل هو مفسدة عظمى للعقائد والنفوس، ولو كان فيه منفعة لنفع السحرة أنفسهم، فهؤلاء يعلمون أن الساحر ما له نصيب في الآخرة، لكنهم يطلبون به الشرف والرئاسة في الدنيا، وطالت الأزمان ولم يحصل لهم ذلك، فما نفعهم السحر كما دلت عليه أحوالهم، ولا ننكر أن الساحر قد يتحصل له بعض أغراضه لكن يعقبه الضرر عليه في الدنيا والآخرة أعظم مما حصل عليه من أغراضه.

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69].
يقول البعض: إن هذه الآية المقصود بها نفي فلاحهم في الآخرة، وليس المقصود نفي فلاح سحرهم في الدنيا؛ لأنهم قد يفلحون في إيقاع الضرر أو النفع، ويقول المفسرون على هذه الآية: أي لا يظفر الساحر بسحره بـما طلب أين كان [73]، والمفلح: هو الذي ينال المطلوب وينجو من المرهوب، فالساحر لا يحصل له ذلك [74].

فالفعل في سياق النفي يدل على العموم؛ قال تعالى: (لا يفلح) أي يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب؛ قال تعالى: (حيث أتى) تأكيدًا للعموم، أي حيث توجه وسلك، وهذا أسلوب عربي معروف، يقصد به التعميم كقولهم: فلان متصف بكذا أينما كان [75]، وإن قولهم بأن السحرة يفلحون في إيقاع الضرر والنفع فإنه مصادمة مع كتاب الله؛ لأن الأصل هو إثبات ما أثبته الله في كتابه ونفي ما نفاه. والله أثبت لهم إيقاع الضرر بعد مشيئته سبحانه فقال: ﴿ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102]، لكن النفع نفاه الله عز وجل فقال: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ [البقرة: 102]، وحقيقة النفع: لذة لا يعقبها عقاب ولا يلحقها ندامة، ونفي فلاحهم بعملهم مقيد يخرج عنه ما أثبته لهم من التفريق والأذية.

فبطل احتجاجهم بالقاعدة؛ لأنها قاعدة مقيدة وليست على الإطلاق، فتبين زيف ادعائهم؛ لأن النصوص الإلهية تنفي النفع عن السحر، بل على العكس ثبت مضرته وفساده على العقائد والنفوس، فمن ادعى أن في السحر مصلحة فإنها مصلحة متوهمة، وهي مصلحة ملغاة؛ لتعارضها مع عموم نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (إن الله تعالى خلق الداء والدواء، فتتداووا ولا تتداووا بحرام) [السلسلة الصحيحة]، فعلى تقدير رجحان المصلحة يلزم انتفاء الحرمة كما قرر ذلك علماء الأمة.

سادسا: يحتجون بالقاعدة الفقهية (الأمور بمقاصدها).
وذكر ابن حجر مثل هذا، والقاعدة استنباط من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..)، يقول أهل العلم: إن الشريعة مبنية على المقاصد ووسائلها، ووسائل المقصود الموصلة إليه لها حكمه. وهذا الكلام صحيح، لكن في هذه المسألة لا يستدل به؛ لأنه إلباس للحق بالباطل، لأن القاعدة هي:
1- قاعدة فقهية موضوعها أفعال المكلفين، وهي ليست ضابطًا لاستنباط الحكم من النصوص الواردة في المسألة.

2- وأيضًا لا يقتصر عليها بذاتها في إصدار الأحكام دون أن يعضدها نص يعزز الحكم.

3- وأهل العلم يستدلون بهذه القاعدة في العبادات المحضة، وفي المباحات والتروك الموجبة للمثوبة، لأن النية عبادة بحد ذاتها، وفي المعاملات والعقود بين الأفراد بشتى أنواعها، وفي الأيمان. لكن الاستدلال بها لتسويغ المحرمات والكبائر ما سبق أحد من أهل الحق لهذا.

4- يقول المحققون: إن قواعد الفقه قواعد أغلبية مبنية على وجود مسائل مستثناة من تلك القواعد، تخالف أحكامها حكم القاعدة، بسب نص أو إجماع أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثرة، لذلك سمى العلماء قواعد الفقه قواعد أغلبية أكثرية لا كلية مطردة، وسموا قواعد الأصول قواعد مطردة؛ لأنه لا يستثنى منها شيء.

وورد في كتب القواعد الفقهية مسائل مستثناة على قاعدة الأمور بمقاصدها، من هذه الاستثناءات التي وردت على القاعدة: التوسل بالوسائل المحرمة للحصول على أمر مباح شرعًا؛ إما استعجالا أو تحايلا، وعُبر عن هذا الناقض في منظومةٍ لأصُولِِ الفقهِ يقولُ نَاظِمُها:
وَكُلُّ مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيءَ على ♦♦♦ وجْهٍ مُحَرَّمٍ فَمَنْعُهُ جَلاََ

فالتوسل بالسحر المحرم المشتمل على أقوال أو أفعال أو اعتقادات كفرية، والتداوي به، والعدول عن الوسائل المباحة استعجالا للشفاء...هو أمر لا يستدل عليه بهذه القاعدة؛ لأنه مستثنى من القاعدة، ولا سبيل لهم للاحتجاج بها على ذلك؛ لأن السحر وسيلة في ذاتها محرمة بل كفر في أصلها.

5- قال ابن حجر: إن قصد بها خيرًا كان خيرًا، وإلا فهو شر.

أي بحسب النية؛ لكن أهل العلم قرروا أن هناك أفعالا لا تتبدل أحكامها باختلاف القصد أو النية، ولا شك أن الكفر هو في مقدمة الأشياء التي لا يتبدل حكمها، وإن قيل: النطق بالكفر يجوز كما في حال الفرار به من القتل فكذلك السحر؟ نقول: يختلف هذا؛ لأن الفرار به من القتل متيقن ومباح بالنص، لكن الاستشفاء بالسحر متوهم وغير متيقن وحرم بالنص، فاختلفا في الحكم، ثم إن النطق بكلمة الكفر لا يتعدى اللسان والقلب مطمئن بالإيمان، أما الاستعانة بالساحر فإن القلب عند ذلك يدخل عليه شيء قل أو كثر من التوكل عليهم واعتقاد مقدرتهم الخاصة فلذلك افترقا.

6- وفي مبحث شروط صحة وسلامة النية يقول الفقهاء: لا بد أن لا يتنافى المنوي مع الشرع، أي عدم التوصل للمنوي -الذي هو رفع الضرر بالسحر- بسبب منع منه الشرع، والشارع قد نفى مطلقًا المنفعة من السحر بوجه من الوجوه، فكيف ينوى بالسحر النفع ورفع الضرر؟ وان كان هناك نفع فهو وقتي زائل وتعقبه ندامة وحسرة وعقاب، فكان من المُفترض أن لا تترك النصوص الظاهرة الجلية وتستبعد الأدلة الشاملة للفرع والضابطة لحكمه، ويحتج بقاعدة فقهية يظهر بالبرهان أنها وُضِعتْ في غير محلها، وأنها لا ترجح ما اختاروه إطلاقًا.

سابعا: قالوا: إن مسألة فك السحر بالسحر قد تعرض لها علماء أجلاء من السلف وقالوا بجوازها؛ كالإمام أحمد، وابن الجوزي، والإمام البخاري، وابن حجر، والطبري، وابن بطال، والشعبي، وبعض علماء الحنابلة؛ رحمهم الله تعالى جميعًا.

وهذا مرود عليه؛ لأن الأصل أن لا يقدم قول أحد البشر على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟)

قال الإمام مالك: "ما منا إلا رادّ ومردود عيه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم"، وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير. وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع؛ فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر كما في الحديث، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وعلى هذا فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد العلماء كائنًا من كان، قال أبو حنيفة رحمه الله: "إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال"، فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وفهم معنى ذلك أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه؛ كما قال تعالى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 3]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 51].

فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء، ونظر فيها، وعرف أقوالهم، أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة. والأئمة رحمهم الله لم يقصروا في هذا البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة؛ لعلمهم أن من العلم شيئًا لم يعلموه وقد يبلغ غيرهم، قال أبو حنيفة: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله، وقال الربيع: سمعت الشافعي - رحمه الله - يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت [76].

وأما قولهم: إن الإمام أحمد يجيزه فهذا خطأ؛ لأنه لما سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا، قيل له: أترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. وهذا دليل على أنه لا يجيزه.

ومما يمكن أن يُستدل به على عدم جواز فـك السحر بالسحر أمور:
أ- المجيزون اجتهدوا فرأوا أن في النشرة السحرية علة التداوي فأباحوها لهذه العلة، والمانعون يرون أن فيها علة الأقوال والأفعال والاعتقادات الكفرية، فالذي دعاهم إلى المنع هذه العلة، ويقول الشيرازي في التبصرة: [77] "إذا كانت إحدى العلتين تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة، فالتي تقتضي الحظر أولى، ولأن الحظر أحوط؛ لأن في الإقدام على المحظور إثمًا، وليس في ترك المباح إثم"، فهذا هو الفيصل في أمور الاجتهاد، والحق الذي لا بد أن يتأمله المجتهد ولا يغفل عنه؛ لأنه موقع عن الله جلا جلاله.

ب- أن القاعدة التي تحكم المتناولات كافة، كالأدوية والأطعمة والأشربة والزينة والألبسة، تقول: "ما أبيح لصفته حرم لسببه" [78].

فالأدوية الأصل فيها الإباحة لاشتمالها على مصلحة التعالج والشفاء، وتحرم لأسباب؛ كأن يكون الدواء مغصوبًا، أو أن يكون مسروقًا، أو أن يكون الدواء خبيثًا أو محرمًا، كما نصت أحاديث الرسول على ذلك؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث. رواه الترمذي [صحيح الجامع]، والنشرة هذه لاشتمالها على السحر والكفر تكون من أخبث الخبائث التي يزينها الشيطان ويدعو لها، فالتداوي بها يحرم أيضًا لهذا السبب الذي أثبته النص.

ج- القياس الصحيح: القياس لا يكون مع وجود النصوص، وهناك نصوص كثيرة مبينة للمسألة، وتغني عن اللجوء للقياس، لكن المجيزون لا يرجعون لها؛ لأنهم يرون العامة منها خصصها العقل بمن قصد السحر للإضرار، والنص الخاص بالنشرة يرونه لا يحمل دلالة على حكمها، فأصبحت النشرة لديهم وكأنها في محل المسكوت عن حكمها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والقياس الصحيح من العدل؛ فإنه تسوية بين متماثلين وتفريق بين المختلفين.).

وفي كتاب التوحيد قال المصنف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك، هنا ثبوت ظاهر لحكم التولة ومتفق عليه.

قال الشارح - رحمه الله تعالى - الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: "قال الحافظ: التولة شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر. وكان من الشركِ لما يُرادُ به من دفعِ المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى".

ومن ضمن ما علق به الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- على التولة قال: "الدجالون يكتبون التمائم والتولات على طريقة العقيدة اليهودية، فيزعمون أن للحروف خدامًا يقومون بما يطلب منهم من الأعمال السحرية، ويتخذون أنواعًا من البخور والأدوات المخصوصة التي يوحي بها شياطينهم، وكل ذلك من الكفر العظيم".

وقال ابن الأَثـير: التِّوَلة، بكسر التاء وفتـح الواو، ما يُحَبِّب الـمرأَة إلـى زوجها من السِّحْر، وحكى ابن بري عن القزاز: التُّولة والتِّوَلة السِّحْر. قال ابن الأعرابـي: تالَ يَتُول إذا عالـج التِّوَلة وهي السِّحْر [79].

ومما لاشك فيه أن الوصول للقربة والألفة بين الزوجين اللذين هما لبنة المجتمع من الأمور التي يدعو لها ديننا الحنيف ويرغب فيها، ومن المنافع التي فيها خير عظيم، تعود على الأسرة أولا وعلى المجتمع ثانيًا، فالسحر هنا زالت عنه إرادة الأذية، بل على العكس أُرِيـد به جلب منفعة محضة ودفع مضرة التفكك والفرقة وابتغاء للأنس والطمأنينة -كما يظن- وهي منفعة قريبة لما يراه المجيزون في النشرة. فالزوجة من الخير لها أن تلجأ للوسائل التي تحبب زوجها فيها، لكن عندما يصل الأمر إلى العقيدة والإخلال بها.نقف!

فكان حكم التولة الشرك؛ لأن الوسيلة المستخدمة هي وسيلة كفرية بحد ذاتها، العلة هي وجود السحر لما فيه من الكفر والشرك والتعلق بغير الله، والنشرة هي كذلك؛ فهي إزالة وكشف الداء وحل السحر عن المسحور، ففيها جلب للمنفعة كما يظن، فالنشرة تُشبِهُ التولة للجامع الذي بينهما في كونِ السحر الكفري أداة لهما، وأيضًا ما عُمِدَ إليهما إلا لجلبِ المنافع ودفع المضار، فكلاهما طلب لأمر مشروع؛ النفع ورفع الأذى، بطريقة غير مشروعة محرمة هي السحر.

فلِمَ يثبتون الحكم في التولة وينفونه عن النشرة؟ مع وجود الأوصاف المشتركة بينهما من حيث الغرض والوسيلة والكيفية والعلة، ومع انتفاء المانع أو الناقض في هذا القياس!!

• استنباط العلة الصحيحة التي من أجلها حُرِّمَ الذهاب للساحر وسؤاله، أي العلة التي لا يزول المنع إلا بزوالها؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) [صحيح الجامع]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) [صحيح الجامع والسلسلة الصحيحة].

فهنا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر من أتى الساحر وطلب السحر عمومًا، والمجيزون يثبتون ون بكفر من أتى الساحر لإضرار أحد الخلق، وهو كفر لا يخرج عن الملة في المشهور عن الإمام أحمد، لكن من قصدَ السحرة للتداوي وحل السحر فاستعان بهم على ذلك في حال الضرورة -كما يقولون- يرون أنه لا يدخل في الحكم، فينازعون في إثبات الحكم عليه؛ لأنه كما يرون هم أنه لم يذهب ليضر أحدًا بذلك، فلم يقصد أن يفرق بين المتحابين ولم يؤذ أحدًا، إذن.. ألا يلزم من قولهم هذا أن تكون علة المنع في الذهاب هي قصد الإضرار، فبزوالها يزول المنع.

والشرع والعقل يتفقان في عدم قبول أن هذه العلة هي التي قصدها الشارع؛ لأن أحكام الشرع كلها حق وعدل لا ظلم فيه، ولأن الحكم على الشخص بالكفر بالقرآن أمر عظيم، ليس بالهين أن يطلق على المسلم الموحد إلا إن كان بسبب قوي يستدعي ويوجب ذلك، بل إن الاستعانة بأهل وأرباب الكفر، وبأعمالهم ورقاهم وعزائمهم وطلاسمهم الشركية بحد ذاته هو السبب والعلة التي قصدها الشارع في النهي، فهي تتناسب مع حكم الكفر المنصوص.

والعلة الصحيحة عند الأصوليين لا بد لإثباتها من شروط منها أن تكون العلة مطردة في معلولاتها، فيخرج بهذا الشرط قصد الإضرار للخلق عن كونه علة المنع في إتيان الساحر بالاستقراء والتتبع لهذه العلة في أحكام الشرع؛ لأنها ليست مطردة إطلاقًا مع الحكم السابق الكفر.

فقصد إضرار أحد الخلق؛ سواء الإضرار الحسي أو المعنوي، ليس سببًا يتأتى معه الكفر أبدًا، بخلاف قصد إضرار النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن زوال قصد الإضرار عند الذهاب للساحر لا يجعل أبدًا من النشرة أمرًا مباحًا؛ لأنه بقي في النشرة السحرية ما يستدعي بقاء الحكم، فلا يتخلف عنها الحكم إلا إذا تخلف موجب الحكم، وهو فعل أو قول أو اعتقاد الكفر.

إن عند فك السحر بالسحر أمورًا توجب الكفر؛ كأن يعزم الساحر على الجن الموجود مع المسحور ليتركه، فيقسم بحق أبالسة الشياطين وملوك الجن بأن يخرج، أو يقوم باسترضائه عن طريق القرابين من ذبح وزار في طقوس غريبة شاذة، أو أن يقوم باستحضار شياطين لتبعد شياطين المسحور ويقدم لهم ما يشاءون من الأشياء التي ترضيهم، فيُتَقرب لهم بالذبح وإهانة المصحف بالنجاسات والزنا وشرب المسكرات، ويستخدمون لذلك طلاسم ورقى وتمائم موغلة في الكفر والشرك.

وتلك الرقى المنهي عنها هي التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم [80].

فالمعزم الذي يستعين بالجن، ذكره القاضي وأبو الخطاب في جملة السحرة قال: فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن، وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فذكرهما أصحابنا من السحرة الذين ذكرنا حكمهم. وسئل ابن سيرين عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، وأقرأ عليها القرآن، فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسًا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين.. وأما من يحل السحر؛ فإن كان بشيء من القرآن، أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به، فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد عنه، قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر؟ فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل لأبي عبدالله: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، ويعمل كذا، فنفض يده كالمنكر وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا [81].

فمتى ما كان الذهاب للساحر لفك السحر يترتب عليه قيام الساحر بأمر كفري من قول أو عمل أو اعتقاد، فالحكم هو كفر الذاهب، كما ثبت ذلك بالأدلة، وكما اتضح لنا من بيان العلة.

الأضرار المترتبة على الاستعانة بالساحر لفك السحر:
قال ابن تيمية: يكفي المسلم أن يعلم أن الله تعالى لم يحرم شيئًا إلا ومفسدته محضة أو غالبة، وأما ما كانت مصلحته محضة أو راجحة، فإن الله شرعه؛ إذ الرسل بعثت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والسحر قرن بالشرك؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 51 - 52].

وفي الذهاب للسحرة مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتلهم، ناهيك عن الإقرار للسحر دون الإنكار، وقد أمرنا أن نكفر به وهذا لا يجوز، فكيف إن كان يطلبه، فهذا تعاون على الإثم والعدوان، وهو محرم، والله يقول: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].

قال شيخ الإسلام: (من حضر إلى مكان فيه منكر لم يستطع تغييره لم يجز له الحضور)، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾ [النساء: 140].

وقال العلماء: الرضى بالشيء رضى بما يتولد منه، والسحرة قد يكتبون كلام الله بالنجاسات دم أو غيره، وقد يقلبون حروف كلام الله عز وجل، وقد يقولون ما يرضي الشيطان، ويفعلون ما يرضيه من لواط أو زنا أو ذبح، فإذا فعلوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على أغراضهم.
رضاك ربي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 02:08 PM   #4
معلومات العضو
ღغندوره البيتღ
الصورة الرمزية رضاك ربي
وسام الالفيه 2  وسام الالفيه الاولى 
مجموع الاوسمة: 2 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 199
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 810
عدد الردود : 2146
مجموع المشاركات : 2,956
النقاط : 1293
قوة التقييم : 37
رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به رضاك ربي لديها الكثير لتفخر به
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

ومن أشد الضرر الترويج لبضاعتهم الكاسدة المزجاة، والعمل على انتشارها، والتقوية لشوكتهم؛ قال د. إبراهيم أدهم: "فتلمع أسماء بعض السحرة وتشتهر، ويزداد الإيمان والتسليم بأقوالهم وقدراتهم، ويزداد نفوذهم في المجتمع، وينظر إليهم نظرة المنقذ والمخلص، وأصحاب الحلول التي لا تخطئ، فيتنفس السحرة الصعداء، ويكشرون عن أنيابهم وأظافرهم، ليبذروا حب الفتنة والفساد في أرض المجتمع الغافل عن نداء السماء".

ناهيك عن تسهيل أكل أموال الناس بالباطل، وإن كثرة التردد عليهم واللجوء لهم وسؤالهم يفتح الأبواب لتسلط جموع الجن والشياطين وتمردهم؛ لأنها لما رأت كثرة خضوع الإنس واستعاذتهم بها وبملوكها لقضاء الحاجات زاد طغيانهم وجورهم على بلاد الإسلام بسبب ضعاف الإيمان الذين يتمسكون بهذه الفتاوى الشاذة.

ومن أعظم البلاء أن الاستعانة بالسحرة والكهنة سبب لبعد القلوب عن فطرها السوية وعقيدتها السليمة، وسبب لدخول الشك في عون الله عند الملمات، ومن الضرر المحض التعلق بغير الله؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلق شيئا وكل إليه) رواه النسائي. والتعلق قد يكون في القلب أيضًا، أي التعلق بشيء والاعتقاد أنه قد يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا من دون الله. فالساحر يعتقد أنه يشقي ويسعد ويشفي ويمرض بمعاونة الجن وروحانيات الكواكب، وفي ذلك شرك عظيم..

ومن المفاسد العظمى التي لا تخفى على كل ذي لب: أنه قد يتوسع البعض فيلجؤون إلى الكهان والسحرة في جميع حوائجهم كما كانوا في الجاهلية يفعلون.

ومن البلاء أنه قد يكذب الساحر ويقول كلامًا يكون سببًا في تقطيع الأرحام؛ كأن يقول: سحرك أخوك، أو سحرتك أختك، وهكذا، ويتبع ذلك نشر العداوة والبغضاء والانتقام والحقد والنميمة والكذب والظلم بين الناس.

وإن الضرر لا يزال بالضرر، فصاحب العقيدة السليمة حري به أن يبتعد عن السقوط بيد أمثال أولئك حفظًا لدينه وإبراء لذمته أمام الله.

يقول ابن قدامة: متى لزم من ترتب الحكم على الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها فقيل إن المناسبة تنتفي؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يتضمن فوات مثلها أو أكبر منها ليس من شأن العقلاء لعدم الفائدة..

وأخيرًا وصية لكل مسلم:
انتبه من كل نوم أغفلك
واخشَ ربًّا بالعطايا كفلك
بع له الدنيا بأخرى إنَّ مَن
يشتري الدنيا بأخراه هلك
تابع المختار واسلك نهجَه
فهْو نور من مشى فيه سلك
ثق بمولاك وكن عبدًا له
إن عبدالله في الدنيا ملك
جدد النَّوح على ما قد مضى
من زمانٍ بالمعاصي أثقلك
حاسب النفسَ وعلِّمْها الرضى
بالقضا واعصِ هواها ترض لك
خذ من التقوى لباسا طيبًا
إنها خير لباس يمتلك
داوم الذكرَ لخلاقِ الورى
واترك الأمرَ لمن أجرى الفلك
ذل واخضع واستقم واعبد له
مخلصًا يفتحْ طريقَ الخير لك
روح النفس له واعكف على
بابه فهو الذي قد فضلك
زين الباطنَ بالتقوى كما
تحسن الظاهر تُعطَى أملك
سلم الأمرَ له تسلم فكم
من فتى قد سلم الأمر سلك

وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا،.
تم بحمد الله هذا البحث المتواضع.

والله أعلـم بالصواب.



smilies98 151031400047.png smilies98
رضاك ربي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 02:52 PM   #5
معلومات العضو
https://betel3z.com/up/uploads/betel3z155623292385421.gif
https://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gif
الصورة الرمزية سلسبيلا
وسام شكر وتقدير  وسام الالفيه 11  وسام الالفيه 9  وسام الالفيه 6  وسام الالفيه 5  وسام الالفيه 4  وسام الالفيه 3  وسام الالفيه 2  تاج الاداره  وسام الالفيه 28  وسام الالفيه 27  وسام الالفيه 26 
مجموع الاوسمة: 22 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 197
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 4490
عدد الردود : 23874
مجموع المشاركات : 28,364
النقاط : 3929
قوة التقييم : 150
سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

موضوع رائع حبيبتى ربنا يجعله بميزان حسناتك
التوقيع : سلسبيلا

سلسبيلا متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 02:52 PM   #6
معلومات العضو
https://betel3z.com/up/uploads/betel3z155623292385421.gif
https://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gif
الصورة الرمزية سلسبيلا
وسام شكر وتقدير  وسام الالفيه 11  وسام الالفيه 9  وسام الالفيه 6  وسام الالفيه 5  وسام الالفيه 4  وسام الالفيه 3  وسام الالفيه 2  تاج الاداره  وسام الالفيه 28  وسام الالفيه 27  وسام الالفيه 26 
مجموع الاوسمة: 22 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 197
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 4490
عدد الردود : 23874
مجموع المشاركات : 28,364
النقاط : 3929
قوة التقييم : 150
سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

تسلم ايدك يا قلبي ممتاااااازة
سلسبيلا متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 02:58 PM   #7
معلومات العضو
ღغندوره البيتღ
الصورة الرمزية تنه ورنه
وسام الالفيه 2  وسام الالفيه الاولى 
مجموع الاوسمة: 2 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 186
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 172
عدد الردود : 1881
مجموع المشاركات : 2,053
النقاط : 122
قوة التقييم : 36
تنه ورنه سوف تصبح مشهورة قريباً بما فيه الكفاية تنه ورنه سوف تصبح مشهورة قريباً بما فيه الكفاية
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور

جزاكى الله كل خير
تنه ورنه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-15-2018, 05:34 AM   #8
معلومات العضو
https://betel3z.com/up/uploads/betel3z155623292385421.gif
https://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gifhttps://betel3z.com/up/uploads/betel3z153455959818311.gif
الصورة الرمزية سلسبيلا
وسام شكر وتقدير  وسام الالفيه 11  وسام الالفيه 9  وسام الالفيه 6  وسام الالفيه 5  وسام الالفيه 4  وسام الالفيه 3  وسام الالفيه 2  تاج الاداره  وسام الالفيه 28  وسام الالفيه 27  وسام الالفيه 26 
مجموع الاوسمة: 22 (أكثر» ...)
 
رقم العضوية : 197
☂ تاريخ التسجيل : Nov 2016
عدد المواضيع : 4490
عدد الردود : 23874
مجموع المشاركات : 28,364
النقاط : 3929
قوة التقييم : 150
سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها سلسبيلا لديها سمعة ما بعد سمعتها
افتراضي رد: كشف المستور عن حكم فك السحر بسحر عن المسحور


جزاكِ الله خيرا ع المجهود القيم ياحبيبتى
الف مبروك تثبيت مووضوعكـ
وبانتظار جديدكـ ان شاء الله(239) betel3z
سلسبيلا متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المستور , المسجور , الزير , تسير , حكم , عن , فك , كشف


❤ اللى منورين الموضوع دلوقتى ❤ : 1 ( العـــ♥ـــضوات 0 وأحلى ضيوف ツ 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع ♥ كاتبة الموضوع ♥ المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرقية الشرعية شفاء للأمراض النفسية والعضوية رضاك ربي فقه الدين والحياة 8 09-01-2018 07:31 PM
الاختيارات العلمية في مسائل الحج والعمرة سلسبيلا فقه الدين والحياة 4 08-27-2018 01:40 AM

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 02:27 AM